الخميس - 17 يونيو 2021
الخميس - 17 يونيو 2021

قلوب مليانة

من أكبر وأتعس عيوبنا الاجتماعية والأخلاقية نحن العرب هو افتقادنا الموضوعية، إن كان في شؤوننا الأسرية وعلاقاتنا الإنسانية، وحتى المهنية لم تسلم من هذا اللغط. ففي معظم نقاشاتنا وحواراتنا غالباً ما نهمل جوهر النقاش أو سبب الخلاف الأصل، ونتشعّب ونتشعب، ونهذي ونخلط الأوراق، ليختلط الحابل بالنابل، وأحياناً يتداخل محور الخلاف ليجمع الشخصي بالمهني وهنا، يكون أدنى مستويات الحوار، لاعتماده الطعن والتجريح. حينما «يستوضع» أحدهم محاولاً جرّك إلى حوار مفلس، فيزّبد ويرغي بما لا يليق، ليدخل نفسه والطرف الآخر في متاهة تلو المتاهة، لا رأس لها ولا قدمين، فلا هو حلّ موضع الخلاف الأصل ولا استطاع أن يكون مقنعاً أو يخلق حواراً بناء يستحق الإنصات ونشفان الريق، فالحسنة الوحيدة التي يمكن أن يكسبها أحدنا في ما لو كان طرفاً في تلك الحوارات والنقاشات غير الموضوعية المغرضة أن يتكشف لك جانب خفي لشخص كنت تعتقد يوماً بأنك تعرفه، وكماً هائلاً من العقد المركبة والأحقاد الدفينة. مثلاً، في خلافات الزوجة مع زوجها، دائماً ما يبدأ النقاش أو الخلاف بسبب تافه، ليتحول الخلاف إلى «نبش» عشوائي بلا محراث لتاريخ العائلتين، إلى سابع «جد إللي خلفوهم هما الاثنين». وقد لا يسلم ذلك «النبش» من مناوشات غير بريئة تفضي إلى وصول أحدهما إما إلى قسم الطوارئ، أو إلى قسم الشرطة، ومن ثم إلى قاعات المحاكم. ثلاثة أرباع أعمار الناس ذهبت هباء منثوراً في نقاشات عقيمة، بدليل أنها لم تحدث فارقاً في حياتهم، لم تزدهم إلا بؤساً على بؤسهم اليومي المعاش، بقدر ما يحملون من نقمة على الآخرين، فلا تعرف الناس ماذا تريد من بعضها بعضاً، فلم يجنوا منها سوى هدر سنينهم في قطع سبيل الخير والمعروف في ما بينهم، والتأسف على ما فات واللغو فيه، أو محاولة استرجاع ما أضاعوه في لحظات حمقهم وغيّهم، أو استمرائهم في تصيّد أخطاء الآخرين والتربص بهم أو التجني عليهم، حينما تصبح ممارسة أذى الناس هواية ومصدر سعادة عند البعض، دون أن يفتكروا في يوم قد تلتقي فيه الوجوه، ولكن بأي وجه ويد سيصافحون؟ أصدقاء خاصمناهم، وتجاهلنا حتى الخير الذي نما يوماً بيننا وبينهم، أدرنا لهم ظهرنا دون أن يرف لنا جفن، وقلبنا لهم منجل الزمن، ليمر الوقت فلا نعود نستذكر فيه على ما خاصمناهم، وكيف تنكّرنا لهم، هل لسبب وجيه، أم بسبب بذرة حقد نمت في غفلة منا وتركناها تتعربش فينا لنضيّع بوصلة الحب والخير معاً، لتعمم رؤوسنا بغلالتها السوداء وتهدر رحيق الود بيننا .. لا ندري! الخلافات والنقاشات العقيمة التي لم تقد صاحبها إلى راحة البال وتعزز تصالحه بذاته، وتعمق استقراره النفسي والذهني، ولم توقد عقله وترشده إلى فكرة جميلة ولا إلى خير يرتجى، ستبقى كالفتيل المشتعل تحرق بذرة الإنسان فيه، لأن دافعها لم يكن يوماً جوهرياً، ولا نبيلاً ولا سامياً، هي قضية نفوس خسرانة قلوبها تبقى حاقدة و«مليانة».
#بلا_حدود