الخميس - 08 ديسمبر 2022
الخميس - 08 ديسمبر 2022

ثقافة الحرمان

الكثير من الموروثات تكبل الفرد العربي باسم المقدس، وتحرمه اكتشافَ ذاته وتعيين قدراته حتى تغتال إمكاناته التي ربما كانت متميزة لا يحظى بها كل أحد، هذا الحرمان امتد لميادين كثيرة واستغل مجالات التربية والتعليم ووسائل الوعظ والتثقيف والتدريب والإعلام لنشر الخوف من التفتيش في الذوات المبدعة، ولتأبيد الجهل وتأنيب الضمير من الخوض في مسائل استكشافية للذات وللعالم أو قضايا إصلاح، والأهم الإذعان لمدرسة واحدة تستفرد بصلاحية التخطيط لحياة الأفراد وسلوكهم والأسر، وبالتالي تكوين المجتمعات وما ينبغي أن تكون عليه. غالباً تكون هذه المدرسة متمسكة بواجهة دينية حدودها مزعجة وضيقة وأكثر بكثير من المتاحات والمباحات. مثل هذه الأسس التي يبنى عليها الكثير من مجتمعاتنا العربية قادرة على شل طاقة الإنسان ودفن قدراته، ليس فقط لأنها تحرمه التعرف إلى مكامنه الخلاقة، لكن لأنها تعمد في جانب من جوانبها أيضاً إلى حرمان الفرد من فهم غرائزه وطريقة التعامل الصحيح معها، فمادامت تلك الموروثات التي باتت ثقافة سائدة عصية على التغيير تدعو لكبت الغرائز وقمعها كلياً وعدم إتاحة فرصة لاستيعابها أولاً، فلن يتمكن الإنسان من التعمق بداخل نفسه وتحديد كيفية سليمة لضبطها. ولهذا فكلما تشبع الشخص بالمفاهيم التي تحصره ضمن قيم مزيفة تنافي تركيبته البيولوجية والفسيولوجية، كان أقرب إلى حالة اللاسواء، حالة مَرَضية تنقله إلى موقف الضد من كل شيء وكثير من الأحيان إلى حالة العنف، هذه الأسس التي يعبأ بها منذ الصغر تشعل في نفسه رغبة التميز عن الآخر المختلف عنه، الذي أتيحت له تبعاً لثقافته فرصة فهم ذاته وقدراته وغرائزه، ولهذا نجد من يتعرض للحرمان تكون فرصة لجوئه إلى الاعتزاز بقيمه التي انتزعت منه الكثير من حقوقه أعلى، كما تزداد لديه الرغبة في إقصاء هذا الآخر أو الانتقاص منه ومما وهب له من حقوق. يصبح هذا مفهوماً إذا ما علمنا أن الدافع وراء ذلك الافتخار والاعتزاز مجرد تعويض عن حرمانه من المعرفة الطبيعية الحقيقية واستيعاب سبل الحرية لتحقيق الذات، ووسيلة لتغطية النقص. هذا الوضع يخلف أيضاً نفي الفرد لكل ما لا يعرفه ومقاومته كنتيجة من نتائج هذا الحرمان والتدجين الذي أوصل لتعطيل قابلية التشكيك والنقد والاستدلال، وكذلك محدودية التعابير والكلمات، وأيضاً التبريرات التي تُلقى جاهزة في أي نقاش مع فرد تعرض لهذا النوع من الحرمان، نراه غالباً يعيد تكرار بعض الجمل الدفاعية التي لقنه إياها من لقنه تلك الثقافة والموروثات بالأصل، ونتيجة لتلك الجمل العمومية والأفكار المعلبة تتوقف القدرة على التعاطي مع مفاهيم وتعابير جديدة قد تصبح منفذاً لرؤية أفكار جديدة وواعدة.