الخميس - 17 يونيو 2021
الخميس - 17 يونيو 2021

لا عزاء للرجال

في نهاية القرن الماضي كانت أصوات النساء الناشطات والمنظمات الرجالية المساندة لحركتهن في المطالبة بالمساواة مع الرجل تسمع في أرجاء المعمورة، خصوصاً في بلادنا العربية التي تتهم بهضم حقوق المرأة لصالح الرجل في جميع المجالات العملية، والحقوق العمالية، فيما شهدت العديد من العواصم العربية التظاهرات النسائية المطالبة بالمساواة والحقوق الكاملة للمرأة. وفي بلادنا وخلال أقل من أربعة عقود استطاعت المرأة ومن خلال التشريعات التي أقرتها الحكومات الاتحادية المتعاقبة العمل على تطوير وتمكين المرأة ومساواتها بالرجل في تلك الحقوق التي تطالب بها، لتصبح خلال هذه الفترة البسيطة من عمر النهضة المباركة المشارك المتساوي في الحقوق والواجبات في سوق العمل الحكومي الرسمي والتجاري الخاص. بل إن تمكين المرأة قد تعدى توقع أكثرهن تفاؤلاً في سنوات نهاية القرن الماضي، فأقصى ما كنّ يتمنين أن يصلن إلى المناصب الإدارية في الصف الثالث من المستوى الإداري، ولكن ما حدث كان قد تخطى كل التوقعات على جميع الأصعدة، ففي السادس من مايو من عام 2012 قالت وزيرة الدولة رئيسة مجلس إدارة صندوق الزواج الدكتورة ميثاء سالم الشامسي، إن المرأة تشغل 66 في المئة من وظائف القطاع الحكومي، وإن 30 في المئة من النساء العاملات في وظائف قيادية مرتبطة باتخاذ القرار، و15 في المئة من الوظائف الفنية التي تشمل الطب والتدريس والصيدلة والتمريض، إلى جانب انخراطهن في صفوف القوات النظامية بالقوات المسلحة والشرطة والجمارك، الأمر الذي أذهل المراقبين، وبعد سنة تقريباً في 30 مايو 2013 كشفت وزيرة الشؤون الاجتماعية معالي مريم محمد خلفان الرومي أن مساهمة المرأة في سوق العمل الحكومي تصل اليوم إلى 65 في المئة، منها نحو 30 في المئة في مواقع قيادية الأمر الذي يعكس اهتمام القيادة الرشيدة بدعم المرأة وتعزيز مكانتها في مختلف المستويات. لقد كانت هذه الأرقام من المؤشرات التي دلت على استيلاء المرأة في الإمارات على مساحة أكبر من المتوقع في سوق العمل ومزاحمتها الشديدة للرجل في كل الميادين والأصعدة، وهنا يذكر أن المادة 35 نصت على أن «باب الوظائف العامة مفتوح لجميع المواطنين، على أساس المساواة بينهم في الظروف، ووفقاً لأحكام القانون، والوظائف العامة خدمة وطنية تناط بالقائمين بها، ويستهدف الموظف العام في أداء واجبات وظيفته المصلحة العامة وحدها»، فيما أقر القانون الاتحادي رقم 8 لسنة 1980 في شأن تنظيم علاقات العمل والقانون الاتحادي رقم 11 لسنة 2008 بشأن الموارد البشرية في الحكومة الاتحادية، حق المرأة في المساواة، فالمادة 32 من قانون العمل «تمنح المرأة الأجر المماثل لأجر الرجل إذا كانت تقوم بنفس العمل». وكما ساوى القانون في الرواتب والأجور والعلاوات والبدلات فإنه كذلك ساوى بين الذكور والإناث في كل إجراءات التوظيف في الوظائف العامة، بدءاً من التعيين حتى إنهاء الخدمة، من حيث صرف مستحقات نهاية الخدمة أو المعاش التقاعدي. لكل ذلك وبناء على الإيمان العميق من القيادة بأحقية المرأة في المساواة والعمل، بادرت دولة الإمارات العربية المتحدة بالتصديق على اتفاقيات العمل الدولية المعنية بتحقيق المساواة ومنع التمييز بشكل عام، وضد المرأة بشكل خاص في ميدان العمل، حيث صادقت في فبراير من عام 1997 على اتفاقية العمل الدولية رقم 100 لعام 1951 بشأن مساواة العاملات والعمال في الأجر عن القيمة المتساوية، كما صادقت في يونيو من عام 2001 على اتفاقية العمل الدولية رقم 111 لعام 1958 بشأن عدم التمييز في المهنة أو الاستخدام، في حين راعت النصوص التشريعية الطبيعة الفطرية للمرأة وخصوصيتها ومنحتها تمييزاً إيجابياً في عدد من القوانين مثل العمل، حيث راعى القانون الاتحادي رقم 8 لسنة 1980 في شأن تنظيم علاقات العمل خصوصية الطبيعة الفطرية للمرأة من خلال التأكيد على ضرورة الحفاظ على سلامة المرأة من خلال بيان الأعمال التي لا يجوز تشغيل النساء وفيها؛ حيث نصت: المادة 29 على «يحظر تشغيل النساء في الأعمال الخطرة أو الشاقة أو الضارة صحياً أو أخلاقياً، وكذلك في الأعمال الأخرى التي يصدر بتحديدها قرار من وزير العمل والشؤون الاجتماعية بعد استطلاع رأي الجهات المختصة». لقد تمكنت المرأة بفعل جهودها ومثابرتها وتفوقها العلمي والكمي في سوق العمل، من تخطي حاجز الرجل الذي هيمن ولفترة طويلة على سوق العمل في مختلف المجالات، وأصبحت تحتل أغلب مواقع العمل، وأصبحت النسبة المئوية بين الجنسين في أي دائرة أو مؤسسة أو وزارة تميل لمصلحة المرأة التي رجحت الميزان لمصلحتها بالكثير من نقاط القوة التي استخدمتها في نيلها حقوقها الدستورية. من أجل ذلك فإن الرجل قد أصبح اليوم يستشعر فداحة المنافسة، وأصبح العديد من المثقفين يدعون علناً لتثقيف الرجال حول التغيير الديمغرافي الحاصل في سوق العمل، فهل سيطالب الرجل باسترجاع امتيازاته التي تمكنت المرأة من تجريده منها وإضافتها إلى رصيد إنجازاتها، للمرأة الإماراتية أجلّ تحية ولا عزاء للرجال. [email protected]
#بلا_حدود