الثلاثاء - 15 يونيو 2021
الثلاثاء - 15 يونيو 2021

داعش وأسطورة حروب آخر الزمان

كانت كلمة الاقتدار الأكثر تكراراً في خطاب صدام حسين على سبيل المثال، والموت لأمريكا والشيطان الأكبر الأكثر تكراراً في خطاب الخميني الذي يتفاوض حلفاؤه مع الغرب الآن في مسقط، وكان الانقلاب على الزمن هي الأكثر تكراراً عند ميشيل عفلق، سنغير العالم .. وعند الأصولية دائماً عبر التاريخ، ولكن ذهبت وبقي التاريخ، ومن يفهمون قوانينه. تعتمد أصوليات كل الأديان والعقائد، سماوية وغير سماوية، روايات النبوءات وآخر الزمان أو أحاديث الفتن، تعالياً على الواقع المرفوض منها، وهي أداة معهودة ومعروفة للتجنيد والإثارة للعوام في كل زمن، ولا يأتي آخر الزمان الذي يبشرونهم به في النهاية، فكم من وعد كاذب بخلافة آخر الزمان التي تملأ الدنيا عدلاً بعد أن ملئت جوراً أو ظلماً كان ثم لم يكن أو يستمر، وسير الغلاة كالمختار الثقفي أو البهاء أو الباب أو شكري مصطفى أو بن لادن والزرقاوي معروفة يمكن مراجعتها. ما زال يؤمن متطرفو الهندوس بعودة رام التي رأوها مشروطة باسترجاع مهد ولادته مكان المسجد البابري الذي بناه الإمبراطور المسلم العادل ظهير الدين بابر، وانتهى الأمر بعد نزاعات طائفية طاحنة في الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي، لاقتسامه بين الهندوس والمسلمين، ولكنه لم يعد بعد ولن يعود. وأسقط اليمين المسيحي المعاصر نبوءة أشعياء بخراب دمشق في آخر الزمان، حيث يقول «ها إنَّ دمشق تُزال من بين المُدن، فتكون رُكاماً من الأنقاض». النبي أشعيا (17/1)، واليهودية أكثر الأديان امتلاء بالنبوءات والروايات، وقد استغلتها الصهيونية في تشجيعهم على الهجرة منذ أواخر القرن التاسع عشر إلى فلسطين كي يستعيدوا مجد صهيون، الجبل الذي كان يحتفل فيه نبي اللـه داود بانتصاراته. وتحدثت كتبهم المقدسة عن نبوءتي إرميا وأشعيا، فقد بشرهم بغزو نبوخذ نصر لهم، وبشرهم الثاني بالعودة بعد عقود في عهد ملك الفرس العادل كورش الذي يرجح أنه ذو القرنين المذكور في القرآن، حسب العلامة الهندي أبي الكلام آزاد (توفي سنة 1935)، إلى رؤيا دانيال المسبي لنبوخذ نصر بانتهاء ملك خلفائه وسيطرة الفرس عليه. كانت روايات النبوءات الكاذبة والصادقة فاعلة في كل حروب العالم القديم والحديث، كجزء من بروباجندا الحرب ودعايتها، كان القديس بطرس الذي زار القدس في القرن الرابع الميلادي وقود الحروب الصليبية فقد استثار أوروبا الناشئة المتحولة إلى المسيحية حديثاً حينئذ، حتى ينقذوا قبر المسيح والأماكن المقدسة من المسلمين، لتستمر الحرب قروناً وتنتهي بعد ذلك، وأثبت كثير من معاصريه ولاحقيه كذب ادعاءاته حينئذ. من هنا ليس غريباً استثمار داعش وأخواتها في نبوءات آخر الزمان، فقد سمت مجلتها بالإنجليزية (دابق) نسبة إلى المدينة المشهورة في سوريا التي تشهد هي، أو منطقة الأعماق التي تمتد في الحدود التركية، حسب حديث في صحيح مسلم حروب آخر الزمان، وهي المدينة نفسها المشهورة التي شهدت هزيمة سلطان المماليك قنصوة الغوري أمام السلطان العثماني سليم الأول سنة 1517 ميلادية، وتسمى الأخير بلقب الخليفة، بعد أن أتى بأحد بقايا العباسيين وتنازل له عنها. أثبتت دراسات حديثة أن المقاتلين الأجانب في صفوف داعش وأخواتها أتوا انتظاراً لحروب القيامة وهرمجدون حرب آخر الزمان التي تشهدها أرض الشام، حيث يظهر المسيح ويظهر المهدي ويظهر السفياني .. كذلك أتى المقاتلون الأجانب في صفوف الشيعة وفق النبوءة التاريخية الشيعية التي تنسب روايتها إلى الإمام علي عن جعفر الصادق، حيث تحدث عن حرب كبيرة تكون بين الرمحين الكبيرين تخرج من سهل اليابس (يذكرون أنها المنطقة الممتدة من درعا داخل الأراضي الأردنية) وأتى فيها ذكر مدينة حرستا السورية، ثم يخرج المهدي الغائب في سردابه ويخرج المسيح مبايعاً له ومصلياً خلفه في شرق دمشق، وهكذا. يعتمد بعض هؤلاء، وللأسف، بعضهم منسوب إلى الدعوة، روايات شاردة لابن جرير والسيوطي في رسالة «الكشف عن مجاوزة عمر هذه الأمة الألف» يرى فيه أن عمر الدنيا سبعة آلاف عام، وأن ما بين آدام وظهور الإسلام 4500 سنة، وأن عمر أمة الإسلام لن يتجاوز ألفاً وخمسمئة سنة، يعني لم يبق لنا إلا القليل، وهكذا تكون حرب داعش وعصائب الحق الشيعية حروب آخر الزمان. لا شك عندي في أن أنوار العقل والنقل تأبى وترفض حكايات أو روايات الإثارة غير الثابتة، والتفسيرات الغيبية السحرية لحركات الاجتماع والدول والعمران الإنساني، ومن وصف بأنه نبي آخر الزمان، وبعث قريباً من الساعة كالسبابة والإبهام، كان منشغلاً بالعمران عن الوعد والوعيد بحروبه الأخيرة شأن كل الغلاة في كل زمان، فمنذ القرن الثاني الهجري والخوارج والغلاة والمتطرفون في كل مذهب يبشروننا بأنها الحرب الأخيرة، فيذهبون ويستمر الطلب عليها.
#بلا_حدود