الثلاثاء - 22 يونيو 2021
الثلاثاء - 22 يونيو 2021

السير ببطء

التغيير موجود في طبع الزمان .. وفي حالة المجتمعات البشرية فإن القوى الرادعة للتغيير والمقاومة له قد تصده عن الحدوث وتنفذ إلى مركز ثقله لتعطيله، أو قد تبطئ حدوثه في أسلم الأحوال. في الواقع فماتزال مسألة كالتغيّر الملحوظ والمفاجئ في أي مجتمع مخاطرة مجهولة العواقب، وما لم يحدث قبلها تمهيد وتهيئة وتوقع برصد ردود أفعال متباينة شدة وتساهلاً وصوغ الحلول الملائمة، فلا ضمان من أن المواجهة ستكون مهلكة. في كل مجتمع ستجد الرافض للتغيير والذي يبتغي العودة لنقطة ماضية خلت، وهناك المقاوم للتغيير لكنه لا يرغب في العودة لا إلى ماضي ولا إلى ما هو أبعد من حاضره، وهناك المنفتح على التغيير والمتقبل له والأقل ثباتاً على وضع، ولهذا فحالات التغيير في المجتمعات تتطلب وقتاً، وقد يكون ترنح جزء منها وجموده مفيداً في بعض جوانب بناء الحضارات والتقدم، كونه يحقق التوازن المطلوب ما بين شد وجذب نحو التقدم لكن ببطء، فالجميع ليسوا على استعداد وجهوزية واحدة، وينبغي أن يكون هذا مفهوماً ومرحباً به. كان كارل بيرسون يقول: «يجب ألا يُحزننا هذا البطء التدريجي في التغيير ولا يضرب علينا باليأس، لأن أقوى المؤثرات التي تحفظ الثبات الاجتماعي وتحول دون تخلخله تكمن في تلك الصفة التي نمقتها، صفة الجمود لدى البعض في التمسك بالقديم، فصفة الجمود هذه التي يمتاز بها بعض أفراد المجتمعات نحو التغيير وخوض العوالم والأفكار الجديدة مفيدة، كونها تحمي الجسد الاجتماعي من أن يُترك معرضاً لتغيرات تجريبية فجائية قد تكون غير مفيدة أو بالغة الضرر»، ولهذا فبقاؤها ينبغي ألا يكون مزعجاً ومثبطاً حتى تكون بمثابة خط الرجعة لدى حدوث أي طارئ. لكن ثمة مجتمعات يطغى عليها الجمود بنسبة أكثر من غيرها من المجتمعات، وفيها كثر ممن لا يرضون أصلاً بالجمود، بل يجتهدون للعودة للوراء والتزام التاريخ بما هو مدون في الكتب بصورته الطوباوية، ولهذا يرفضون أي خرق صريح للجو الذي أدمنوه وصار عصياً عليهم مفارقته بأي ثمن، وهم مستعدون للدفاع عن هذا بدمائهم، ولهذا فمحاولات الانتقال متوقع لها أن ُتقابل بمواجهات أكثر جموحاً ما لم تتم بانتقالات تدريجية، لابد أن نفهم أن نتائج التغيير بالتدريج في المجتمعات التي تطغى عليها حالات الصد والجمود أكثر من المرونة في التقبل والتعاطي، كما هو الحال في المجتمعات العربية، ستوصل إلى حلول جذرية وتكرس لقناعات أفضل من استراتيجية القفز بغرض التغيير وأسلم على الرغم من أنها ستسير بخطوات ثقيلة وعلى مهل، لكنها ستحدث، ولو أن للقفز أيضاً محاسنه في حالات وأوضاع محددة ليس هذا المقال هو مجال التطرق لها، كما أن تداعي الأوضاع بعد الربيع العربي الذي انفجر مفاجئاً لا يشجع على خوض مثل هذه القفزات والمفاجآت في مجتمعاتنا.
#بلا_حدود