الاثنين - 21 يونيو 2021
الاثنين - 21 يونيو 2021

التراب أرشيفٌ ووثائق

 كنت صغيرة، عندما رأيت عمي يحمل صغيره الذي لم يزد عمره على ساعات، فأخذ يخاطبه فرحاً به قائلاً: «الآن زاد عدد سكان الكرة الأرضية نسمة، أنت هذه النسمة، كل هذه المعاناة التي تكبدَتها أمك في حملك ووضعك، كان من أجل نسمة»، اختزنت هذه العبارة في ذاكرتي، والآن أتأمل وأتساءل: يا إلهي .. كم نسمة حملت بذرة عبقرية، وعندما كبرت أنتجت اكتشافاً أو اختراعاً عظيماً كان إضافة لمسيرة الحضارة البشرية؟ وكم نسمة سارت بلا هدف ولا بوصلة، تخبطت وعبثت فكانت عالة على البشرية؟ وكم نسمة سارت إمعة تتبع القطيع حتى هرمت، كبرت، غادرت الحياة من دون أن يشعر بها أحد. ماذا يعني يوم ميلاد الفرد له، وهل ينطبق على هذا اليوم كلمة عيد، فيُقال عيد ميلاده؟ هو بالنسبة للطفل كعكة وحلوى وهدايا ولباس جديد، وهو بالونات وزمامير وقبعات ملونة، لا يصاحبه لدى الطفل أيُّ شعورٍ مرتبطٍ بذاته وبمعنى مولده الذي أدى لوجوده في هذا العالم، فالعالم لا يعني له سوى ذويه ومتطلباته من حلوى وملابس وهدايا، وسر بهجته في يوم ميلاده. هو اجتماع كل ذلك مكثفاً في ساعتين من الزمن، وعندما يكبر ويصبح شاباً، يكبر العالم في نظره، فيشمل شبكة علاقاتٍ أكبر من الصداقات، وتتقلص حصة ذويه في أولوياته، مما يزيد من قائمة متطلباته وحاجاته، والسبب على الأغلب هو مجاراة الأصدقاء، فإن توافرت هذه الحاجات كانت سعادته، بينما ينقلب الوضع إلى تعاسة وإحساس بالنقص، بل ويصل للحنق على يوم مولده، وذلك في حال عدم توافرها، فعيد ميلاده يعني له تحديد مكانته، من خلال إمكاناته على الأغلب، وتقييم الآخرين له. وتمر الأيام .. وبعد منتصف الثلاثينات، تبدأ الفروقات تتسع بين الجنسين، فهو بالنسبة لها رقم مضاف يزيد سنوات عمرها مما يوجِد عندها مشاعر مؤلمة قليلاً، ولتغطية هذه المشاعر، تحرص في ذلك اليوم على إثبات أنها لا تخضع لتقييم الأرقام، فهي استثناء، وكل النساء استثناء في اليوم الذي يوافق تاريخ مولدهن ما دمن غادرن منتصف الثلاثينيات، أما الرجال عند هذه النقطة فلا يشغلهم أمرٌ مثل حساب ما فعلوه أو حصدوه أو أنجزوه في هذه السنوات، كلٌ حسب اهتمامه، سواء المال أو الإنجاز أو النساء أو الأبناء وغيره، وبعد هذا السن تجد أن تاريخ الميلاد يرافقه شريطٌ من الذكريات، قد تكون مبهجة، لكنها في الأغلب حزينة، فهي تستحضر أناساً رحلوا أو غابوا، ونجاحات أصبحت من الماضي، ومشاريع لم يُقيض لها أن تتم لترى النور أو النجاح. بشكلٍ عام، لا يفوز إلا من حدد لنفسه هدفاً وسعى لتحقيقه، فإن نجح في ذلك نجاحاً كلياً وحقق هدفه أو زاد، فهو أسعد الناس بنفسه وبقدرته على تحدي كل العقبات والمعوقات، أما لو فشل .. فهي الظروف والأقدار، وكلهم عابرون.  [email protected]
#بلا_حدود