الأربعاء - 23 يونيو 2021
الأربعاء - 23 يونيو 2021

رجال ضد الاكتئاب .. للإيجار أو البيع

الاكتئاب هو مصطلح يستخدم لوصف خليط من الحالات الإنسانية التي يغلب عليها طابع الحزن، والتي تؤثر في الحياة الاجتماعية والمهنية للفرد، وتؤدي إلى فقدان الاهتمام والقدرة على الاستمتاع بمباهج الحياة، واضطراب الشهية وفقد الإحساس بطعم ونكهة الطعام، وما يصاحب ذلك من فقدان الشهية والوزن واضطراب النوم وصعوبة التركيز، ونقص القدرة على التفكير المنظم، ما يتسبب في كثرة السرحان ورسوب بعض الطلاب أو فشل بعض الموظفين في أداء أعمالهم. إن من أهم آثار الاكتئاب أيضاً الشعور بالذنب والإثم، وعدم قيمة الذات من دون أن يكون هناك سبب لذلك، لذا تكثر الأفكار عن الموت، وعدم قيمة الحياة، وعبثية الوجود، وتمني الموت، بل أحياناً الإقدام على الانتحار في حالات الاكتئاب المتقدمة، والتي تتعدد أسبابها، ومنها فقدان عزيز أو مال أو الإحساس بالظلم وخيبات الأمل، خصوصاً نتيجة قصص عاطفية فاشلة، أو التأثر بشخص مكتئب آخر. عادة نسمع عن انتحار أولئك الذين سحقتهم الحياة وتسلطت عليهم الظروف أو الأسقام والأوضاع الصحية التي وجدوا معها الصعوبة الجمة في تشبثهم في الحياة، فآثروا الهروب من واقع لم يستطيعوا الرضا به والقناعة بما قسم لهم في هذه الحياة، وهم من لا إيمان لهم، فتاهت أرواحهم في ظلمات التخبط، خصوصاً في المجتمعات الأوروبية والأمريكية والمتأثرين بهم من المستغربين من العرب وغيرهم، فمن منا من يسمع بالكاتب إرنست همنجواي الذي يعد علامة بارزة في الأدب الروائي، والذي أقدم على إزهاق روحه بطلقة بندقية في دماغه الذي أبدع روايته لمن تقرع الأجراس، وكذلك الشاعر اللبناني خليل حاوي الذي لم يتخيل أن تسقط بيروت في عام 1982 تحت الاحتلال الإسرائيلي، واعتقد أنها نهاية العالم بالنسبة له، فأطلق النار على رأسه في منزله في حي الحمرا الشهير. أما الكاتب المصري إسماعيل أحمد إسماعيل الذي اعتنق الشيوعية وأعلن إلحاده، فلم يجد إلا الانتحار لكي يهرب من الاكتئاب الذي وجده في الطريق الذي اختاره لحياته، فألقى بنفسه في بحر الإسكندرية بعد أن كتب كتابه الذي كان عنوانه لماذا أنا ملحد. أما آخر المكتئبين الذين آثروا الهرب من الحياة برمتها، فكان الممثل الأمريكي الكوميدي الشهير روبين ويليامز الذي اكتشف بعد بلوغه الثالثة والستين أنه لا يجد معنى لحياته الخالية من السعادة والمملوءة بالاكتئاب، فعلق نفسه بحزام بنطلونه وأزهق روحه. لذا فإن أوروبا وأمريكا والدول المتقدمة تقنياً كاليابان مثلاً، تعاني ارتفاع نسبة المكتئبين لديها، ما يرفع معدلات الانتحار وتنامي عدد المسجلين لديها في العيادات النفسية ومستشفيات الأمراض العصبية، وتكلف المئات من المليارات في البحوث والدراسات لمواجهة هذه المشكلة الكبيرة في بلادهم. وقد كان من اللافت في مجتمعنا أن أجد المتناقض لما أجده في المقالات والدراسات التي تتحدث عن تلك الحالات المرضية في تلك البلدان والمسببات لها، والتي تكون عادة مفردة في كل الحالات، فالمكتئب عندهم يعاني مسبباً واحد على الأرجح، فإما أن يكون مديوناً أو يتعرض لبطالة مزمنة أو أزمة عاطفية حادة كرفض الزواج أو حالة الطلاق أو الأحكام القضائية بدفع مصاريف ومتطلبات الأولاد والنفقة وغيرها، أو التعرض لخسائر مالية نتيجة هبوط الأسهم أو خسارة مالية بسبب صفقة ما وغيرها من المسببات المفردة، ونادراً ما يكون الاكتئاب لأسباب مركبة. ولقد دهشت من تلك المسببات، خصوصاً عندما قارنتها بما يواجهه بعض الرجال، حيث أعرف شخصياً من هم مديونون بأكثر من مليوني درهم ولديهم مشاكل قانونية كبيرة، وحصلت زوجاتهم على أحكام بالطلاق وأحكام بالنفقة، والكثير من المدفوعات الأخرى التي يتوجب دفعها وتدبيرها بأي وسيلة كانت، إضافة إلى استيلاء الزوجة على المنزل الذي بناه الشخص من راتبه وسيارته المرهونة، إضافة إلى المشاكل الخاصة بالدوام، نظراً لتغيبه الكثير بسبب حضوره لجلسات المحاكم والخصم من راتبه، والمطالبات المستمرة من قبل أصحاب البقالات التي تطالبه بتسديد قيمة مشتريات المنزل، وفواتير الاتصالات والكهرباء، كما أنه يعاني أمراض الضغط والسكر وغيرها من الأمراض. المذهل في الموضوع أن هؤلاء الأشخاص الذين ذكرت فيما سبق، أجدهم في جلسات خصوصاً الآن في الشتاء على الرمال أو العزب، حيث يجتمع الشباب ويتسامرون، أجدهم فرحين ويلقون ويتغنون بالكثير من القصائد العاطفية والشلات الشعبية التي تطرب لها النفس، ويقومون بإعداد الطعام والقهوة والضحك وإلقاء النكت، وأحياناً القيام بالمقالب المضحكة، بل إنهم يخططون للسفر إلى تايلاند أيضاً مع الشباب، لذا فإن الاكتئاب أبعد ما يكون، فهم ضد الاكتئاب وإن المشروع الأمثل هو تأجيرهم أو بيعهم لتلك الدول التي تعاني الاكتئاب لدراستهم ومعرفة أين يكمن الخلل. [email protected]
#بلا_حدود