الجمعة - 18 يونيو 2021
الجمعة - 18 يونيو 2021

أتعاطف مع الرجال

* مقالة ساخرة، أو تدعي ذلك. ليست لأصحاب القلوب الضعيفة ولا للنساء. أتعاطف مع الرجال. بالطبع فإن هذه الحالة لا تتكرر كثيراً، لكني أتعاطف إجمالاً مع الرجل في حيرته تجاه المرأة. كثير من الرجال لا يجيدون التعامل مع المرأة ولا يحسنون التصرف في حضرتها، كما أن أغلب الرجال يكوّن أفكاراً عن النساء هي أبعد ما يكون عن الحقيقة. فلنبدأ بالسبب الذي يجعل من معظم الرجال ضحية لهذه المعضلة. أولاً، فإن تأثر الرجل بالمرأة في حياته أكبر من تأثرها هي بالرجل. إذ يبدأ الرجل أول تسعة أشهر من حياته في رحم امرأة، يتغذى من غذائها ويشاركها كريات الدم بما تحمله من أفكارها وأحاسيسها. يسمع نجواها ودقات قلبها ثم إذا ما وُلد تعلق بها رضاعة ورعاية. وفي علاقة الرجل بالمرأة، فإننا نلاحظ أنه يقضي أهم فترات حياته متلقياً، لذا نجد أن تجربة الرجل مع أمه لا تُمحى من ذاكرته. تبقى حتى كهولته مؤثرة في قناعاته وفي كل خطوة يتخذها وفي كل قرارات حياته. أمعن النظر وبتركيز شديد حولك فيمن تعرفهم من الرجال، ألا تلاحظ نمطاً متكرراً متشابهاً يجمع الرجال ذوي الأمهات القاسيات، أو الأم القوية المسيطرة، أو الأم التي تعيش دور الضحية وتمضي عمرها مستسلمة مغلوبة على أمرها؟ أيضاً، ألا تلاحظ الأثر الذي يتركه كون الرجل أخاً وحيداً بين عدد من الأخوات؟ أو أولئك الذين لا يملكون أخوات أبداً؟ أو من تزوج آباؤهم أكثر من مرة؟ ألا تتفق معي أن البيئة والثقافة والعادات والتقاليد كلها مؤثرات تصنع الطريقة التي ينظر بها الرجل للمرأة ويعاملها بها؟ ثانياً، نظراً لطبيعة المرأة والدور الذي تلعبه فإن محاولتها بل واهتمامها بفهم الرجل أكبر من محاولته هو لفهمها. تحاول المرأة جاهدة أن تفهم طريقة تفكير هذا الكائن، سبب ردود أفعاله والدافع من وراء تصرفاته وقراراته والطريقة التي يبدي بها مشاعره بينما يمضي الرجل عمره متمسكاً بمجموعة من الأفكار والمعتقدات، وهو يحسب أنه يفهم المرأة. بالطبع، ستجد شريحة كبيرة من الرجال تميل إلى الإيمان أن المرأة كائن معقد وصعب الفهم، أو يلقي باللوم عليها فيردد أن المرأة كائن لا يعرف هو نفسه ما يريد! أتعاطف مع الرجال، ولكي أكون منصفة فإن المرأة بالفعل أعقد تكويناً وأكثر اختلافاً، ولكنها ليست بالصورة التي يصفون. يقول أوسكار وايلد «إن وجه الرجل هو جزء من سيرته الذاتية، ووجه المرأة جزء من خيال قصصي». فهل حقاً أن الرجل بهذا الوضوح والمرأة بهذا الغموض وهذه الدرجة من التحكم بما يصدر عنها؟ لا أدري، قد يكون لذلك درجة عالية من الصحة. أعود إلى صلب موضوعي، إذاً فإن الرجل وخصوصاً بعد حركات تحرير المرأة والانفتاح الذي نشهده على العالم بات أكثر حيرة وارتباكاً. كيف له أن يعرف إن كانت هذه المرأة التي يتعامل معها سواء على صعيد العمل أو الدراسة أو القرابة العائلية حتى من أنصار حقوق المرأة أم لا؟ وإن كانت فأي مدرسة حقوقية تتبع؟ أهي تلك التي تطالب بحرية المرأة التامة مهما كلفت وعنت هذه الحرية؟ أم أنها مع المطالبة بحقوق المرأة، خصوصاً تلك التي شرعها لها الدين ومنعها عنها مدعي التدين؟ هل تؤمن بالمساواة بين الرجل والمرأة أم بالعدل بينهما؟ قد تفكر يا قارئ هذه الكلمات أن كل هذه الأسئلة وإجاباتها ليست بتلك الأهمية، إنما أؤكد لك أنك كرجل تملك إجابة عن كل واحدة منها، وأنها وإن لم تقصد تتحكم في تصرفاتك ونظرتك وبشكل واضح. «تتحدث النساء لغتين، إحداهما لفظية». يقول ويليام شيكسبير. يبدو لي أحياناً أن الأدباء هم أكثر من فهِم المرأة، والفلاسفة هم أكثر من ابتعد عن هذا الفهم. عموماً، فإن مسألة الاختلاف بين الرجل والمرأة أصعب من سؤال البيضة والدجاجة. قضية ستبقى قائمة ولا أفضل في نهاية الأمر من سيادة الاحترام بين الطرفين على علات الاختلاف وآثاره. إلى ذلك الوقت، سأبقى أتعاطف مع الرجال. [email protected]
#بلا_حدود