السبت - 12 يونيو 2021
السبت - 12 يونيو 2021

انقراض فكري

فكرة المشاركة أو الشراكة الإنسانية، التي تعدّ نواة ما بنى عليه البشر طرق تواصلهم، اعتمدت في أصلها على وجود مضمون يستند على قاعدة صلبة، تبدأ من معرفة معينة، تحولت إلى غاية نقلها للآخر حتى يذهب النسيج الإنساني إلى مزيد من التجانس في سعيه للمزيد من المعرفة والاكتشاف. فالشرارة الأولى للنار والغمغمات البدائية التي قادت إلى الكلمة على بساطتها في وقتها، إن لم يتم تشاركها ومحاولة فهمها مع أكبر قدر من الأشخاص ما كانت ستقود لهذه الحالة الحضارية من الاستنارة .. من حيث أن كل بسيط يقود لشيء أعظم، وعليه مع مرور الوقت، فإن البسيط لا يبقى بسيطاً فيما نتشاركه، لضرورة مفادها أن يبحث النسيج، وكل حاجز يذوب اليوم كما ذاب سابقاً عن حالة جديدة ومركبة من الاستنارة، لكنك في ظل فوضى الحواجز المهشمة قد لا تدرك إلى أين تتجه تلك الغاية في تطورها، وماهية هذا الكم الهائل من المعلومات المتدفقة والمشاركة التي ترى أنها في حال فرزها وتنقيحها تعود بالأمر إلى شكل معاكس من أشكال التطور، ما يضعف نسيج الانسجام ويقود إلى حالة من التداخل التي تحول الصوت المفهوم إلى ضوضاء تعود بالإنسان إلى ذلك الشكل البدائي من الغمغمة. في مقالة مترجمة للإيطالي أمبرتو إيكو بعنوان «الإتجار بالخصوصية» .. يذهب إلى تساؤلات مهمة حول مفهوم المشاركة ونتائجها ضمن العالم الافتراضي، فمحاولات الإنسان لإثبات وجوده على أرض الواقع من خلال ما يترك من آثار ويؤرشف من معلومات ذهبت إلى بعد أكثر هشاشة، لتتحول إلى محاولات إثبات وجود افتراضي بلا قيمة، وهذا الوجود الافتراضي لا يدعم للأسف كثافة الوجود الواقعي من معلومات وآثار بغرض نشرها ومشاركتها بقيمتها الصلبة، بل يذهب إلى تناول فوضوي للخصوصيات التي لا تذيب الحواجز بقدر ما تهد خلفها كل ما تم ترسيخه من سلوك وقيم. يقول إيكو «ففي مجتمعنا الذي يتطوّر بسرعة كبيرة والمتصل ببعضه، معظمنا يريد أن يراه الآخرون. وبالتالي تقوم اليوم امرأة منحرفة حاولت في الأيام السابقة إخفاء طبيعة عملها عن عائلتها وجيرانها بالترويج لنفسها كـ (رفيقة)، وتتبنى دوراً علنياً وربما تظهر على التلفاز. ويظهر الأزواج الذين حاولوا إبقاء المشاكل في علاقتهم طيّ الكتمان على البرامج التلفزيونية التافهة، ويعترفون بأنهم خانوا شركاءهم ويقابل ذلك بالتصفيق لهم». «يتحدّث الشخص الغريب الذي يجلس بجانبك في القطار بصوت عالٍ على هاتفه الخلوي عن رأيه بشقيقة زوجته أو عمّا يجب أن يفعله مستشاره في شؤون الضرائب. وقد يقوم شخص معروف تحقّق الشرطة معه في قضية معيّنة، والذي كان ليرحل في حقبة أخرى عن قريته أو يلازم منزله كي ينسى الناس فضيحته، بزيادة ظهوره العلني مع رسم ابتسامة على وجهه لأنه من الأفضل أن يكون سارقاً معروفاً بدلاً من رجل صادق ومجهول». وعليه، فإن كل هذا المقدار الكبير من فوضى المعلومات غير الضرورية في مضمونها يضعف الدور الحقيقي لقيمة المشاركة، فالكل الآن يعتبر أن أناه، بغض النظر عما هي عليه فعلياً وما تكونت عليه من تراكمات، هي أنا مهمة، عليها أن تمارس ظهورها الاجتماعي الافتراضي بسبب أو من دونه، ليصبح الظهور لمجرد الظهور هو الغاية التي تعيش عليها، ما قد يقود لاحقاً لظهور اجتماعي واقعي خالٍ من القيمة .. مجرد ثرثرة واستعراضات لتفاصيل هامشية لا تثير حتى فيما تقدمه أي سؤال أو أي تأمل قد يقود لاحقاً إلى أي تطور فكري، بل إلى تغذية مستمرة لحس الفضول السلبي للإنسان، معيقة نمو ذلك الفضول المحفز للتطور الذهني. فنحن صانعو التواصل نكون أول من يهدمه في واقع الأمر .. بتسطيحه. هنا لا أنكر قيمة وفضائل العالم الافتراضي، فمقالة إيكو التي استوحيت منها الفكرة توصلت إليها افتراضياً، ولا أحاول أن أفرض تصوراً جمعياً للتواصل في العالم الافتراضي، مضعفة من قيمة الاختلافات الإنسانية، أو بساطة اللحظة الجميلة التي تميز الإنسان عن الآلة. لكنني أحاول أن أشخص تلك الصورة الافتراضية التي تنقل المشاركة إلى بعد جديد ومخيف في آن، قد تسهم فوضاه في انقراض من نوع آخر يوازي الإبادات الجسدية التي يرتكبها البشر تجاه بني جنسهم، وهو الانقراض الفكري. [email protected]
#بلا_حدود