الاحد - 13 يونيو 2021
الاحد - 13 يونيو 2021

مكتبة الحمارين

أنطونيو لاكافا، معلم إيطالي متقاعد بعد أكثر من أربعين عاماً من التعليم والعطاء، قرر أن يقضي تقاعده في مزيد من التعليم، لكن بأسلوب مختلف. أنطونيو أراد أن ينشر حب القراءة والتعلم أكثر، فاشترى في العام 2003 دراجة هوائية ثلاثية العجلات تستخدم للنقل في مدن أوروبا وحولها إلى مكتبة متنقلة تحوي سبعمئة كتاب، يقودها منذ ذلك الوقت وحتى اليوم في قرى جنوب إيطاليا، يتوقف كل أسبوع في واحدة من ثماني قرى ويقطع مسافة خمسمئة كيلومتر بين هذه القرى، ويفعل كل ذلك مجاناً، الأطفال ينتظرون وصوله وتصبح الساحة حول شاحنته الصغيرة مكتبة عامة في الهواء الطلق، ويوفر أنطونيو دفتراً مشتركاً لهم يكتبون فيه قصصهم وأفكارهم ويشاركون بها الآخرين. من كولومبيا قصة أخرى، في قرى نائية جبلية بعيدة عن المدن ولا يتوفر لها طريق معبد سهل العبور، هذا لم يمنع المعلم لويس سوريانو من أن يوفر مكتبة لهذه القرى وبأي وسيلة ممكنة، لذلك كانت الوسيلة الفضلى كما يبدو هي حمارين! لويس وفر مكتبة يحملها على ظهر الحمارين ويذهب بهما إلى تلك القرى التي تعاني شح الموارد المتوفرة للتعليم بل تعاني عدم رغبة المعلمين في العيش هناك بسبب بعد المكان عن أي مدينة. لويس يرغب في تجنيب الأطفال هناك الأمية ويرغب في توفير مواد تعليمية لهم وليس هناك وسيلة أفضل من التعليم الذاتي من خلال الكتب والقراءة، لأنه فرد واحد ويصعب عليه تعليم الجميع، لكن بالكتب يمكنه أن يسهم ولو قليلاً في تعليم وتثقيف المئات .. وهذا ما يفعله بحمارين ومجموعة من الكتب يجددها ويغيرها بين حين وآخر، ويسمح للأطفال باستعارة الكتب. لويس يختار يومين من الأسبوع ليذهب إلى إحدى القرى ويحتاج الطريق إلى أربع ساعات للوصول إلى قرية ومثلها للعودة، وهو يفعل ذلك مجاناً وفي وقت فراغه، السفر بهذا الشكل متعب حقاً كما يقول لويس لكن المكافأة تنتظره في كل قرية، حيث يستقبله الأطفال بحماسة وسعادة، لويس يعمل على هذه المكتبة منذ العام 1990 وحتى اليوم، واستفاد أكثر من أربعة آلاف طفل من مكتبته المتنقلة. أمثلة كثيرة في هذا العالم لأناس فعلوا مثل ليوس وأنطونيو، رجل في البرازيل يقود دراجته الهوائية ويوزع الكتب على المشردين والفقراء، رجل باكستاني عاش ثلاثة عقود في دولة أخرى وعاد ليلاحظ ضعف التعليم في مناطق كثيرة، حول حافلة صغيرة إلى مكتبة متنقلة ليسهم في علاج المشكلة. شاهدت مرة مقطع فيديو عن مكتبة متنقلة على ظهر الجمال في كينيا، حيث لا يمكن للسيارات أن تسير في طرقات غير معبدة، وهناك مكتبة أخرى متنقلة في أثيوبيا. هذه بعض الأمثلة لأناس بادروا بأنفسهم ولم ينتظروا أحداً أو يشتكوا لأحد بل فعلوا ما بوسعهم لعلاج مشكلة. قد لا تعالج المكتبات الصغيرة هذه المشاكل الكبيرة، لكن لا شك أن لها تأثيراً إيجابياً على من يستفيد منها، وكم نحن بحاجة لمثل هذه المبادرات بإنشاء مكتبات متنقلة وغير متنقلة، لأننا في البلدان العربية يفترض ألا نعتمد كلياً على ما تقدمه الحكومات، فلا يمكن الاكتفاء بمكتبات عامة كبيرة في مدن كبيرة ثم ننسى الضواحي والقرى، وفي بعض البلدان العربية الضواحي والقرى هي مناطق الفقر والأمية والجهل وهي الأحوج للكتب والمكتبات. حتى في الدول الغنية لا تجد المناطق النائية ما يكفيها من الاهتمام لأسباب مختلفة، هنا يأتي دور مبادرات الأفراد، بتوفير الكتب والمكتبات يمكن أن يشجع المرء الآخرين على القراءة وخصوصاً الأطفال، وإن زرع حب القراءة في الصغر سيبقى مع المرء طول حياته، وأنطونيو في أول المقال يقول إن المدارس تعلم طريقة القراءة لكن ليس حب القراءة بل هي تدفع بكثير من الطلاب إلى كراهية الكتب، علينا أن نقطع الرابط بين المدرسة والكتب ونذكر الطلاب وأنفسنا أن العلم والفضول لتعلم الجديد ليسا محدودين بأسوار المدارس. لنعرف تأثير المكتبات وفائدته علينا أن نذهب إلى أفريقيا وإلى ملاوي بالتحديد، حيث هناك قصة لشاب لم يكن يستطيع أن يذهب للمدرسة لفقره لكن العلم المتوفر في مكتبته جعله الصبي الذي سخر الريح، هذا موضوعنا في الأسبوع المقبل.
#بلا_حدود