الأربعاء - 23 يونيو 2021
الأربعاء - 23 يونيو 2021

تعيين المشكلات وقصور المعاني

القناعة بعدم وجود مشكلة ما لا يلغي وجودها الفعلي، بعض الأمور لا تستتبع الكيفية والرغبة ولا تخضع للقناعات الشخصية من عدمها، بل ينبغي أن تخضع للموضوعية والمنهجية لأي بحث، وفي ميزان البحث الموضوعي والعلمي والمعرفي الذي يتحصن بداخله قطاع واسع من الأشخاص في العالم، وحتى لدينا في العالم العربي ـ وهذه إحدى المبشرات ـ فإن بعض ما نطلقه من أحكام ومصطلحات على ما نعتبره خللاً أو مشكلة ما قد يحمل قصوراً واضحاً في المعنى، ولا يعني شيئاً في ميزان الدقة المعرفية أو العلمية، ولهذا لا نرى نتائج أو تطبيقاً. الواقع أننا لم نتفق بعد في المجتمعات العربية على تعيين معان محددة ودقيقة للكثير من المصطلحات التي اقتحمت عالم اليوم. لدينا مثلاً تعددية في المعاني المتعلقة بمعنى التخلف والتحضر وعوامل الازدهار، هناك من يلمس وجود تخلف فعلي في مجتمعاتنا وتباعد عن التحضر وهناك من ينكره، والسبب عدم وجود مقياس ومفهوم محدد لمعنى التخلف والتحضر يرضى الجميع به، والمفترض أننا أنهينا هذا الإشكال منذ زمن وانتقلنا إلى مرحلة أخرى تتجسد فيها تلك المعاني ويخرج الخلاف من هذا الإطار إلى كيفية التطبيق وإحداث الانتقالات وتطبيق حلول للمشاكل والمحصلة من تلك الحلول، هذا الاشتباك والغموض في بعض المصطلحات التي لم تتلق قدراً زائداً من الدقة قد يؤدي في حالات كثيرة إلى التمحور حول الخلاف على المصطلح وحده وتجاهل المحاور الأهم المرتبطة بتطبيقه مثلاً واختباره، أو قد يؤدي إلى القطيعة الاجتماعية والنفور منه، والسبب أن تلك المصطلحات ليست لها مرجعية للقياس أصلاً. لكن كل هذا لا يعني ترك المشكلات عائمة بلا حل لمجرد أن القناعات بوجودها غير موجودة، وما دامت تعاريفها تتخذ عدة مسارات ومفاهيم في الوقت ذاته، فنحن بالتقريب قد نحصل على المشتركات من تعريف الفكرة الواحدة عبر المثقفين والمفكرين والخبراء وما يكتبونه أو يلقونه من ملاحظات واستنتاجات من أجل إيجاد الحلول لمشاكل الواقع حتى لو كانت غير دقيقة إجمالاً، المهم ألا تُترك الأوضاع على ما هي عليه بحيث يكون المبرر هو أننا لا ندري ما إذا كنا نعاني تخلفاً بالأصل أم لا. في رأيي إن التخلف هو حالة من تراخي الوعي العلمي وبطء في عمليات التنمية وما يصاحب ذلك من تدهور في الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية وعدم قدرة المجتمعات على مكاملة احتياجات أفرادها ورغباتهم في أطر متساوية وآمنة مع اعتبارية كبرى للأخلاق والمثل بحسب ما تتفق عليها المجتمعات دون انتزاع لحرياتهم وخياراتهم المستقلة، كما أنها حالة من الركود الثقافي وعجز عن صناعة قوانين وأنظمة مدنية مثقفة تنعكس على أفرادها وتعكسها لمجتمعات أخرى تنظم حياتها من خلالها كتجارب ناجحة وفاعلة.. وللحديث بقية.
#بلا_حدود