الجمعة - 25 يونيو 2021
الجمعة - 25 يونيو 2021

كل عام وأنتم بخير

مع بداية كل عام جديد يغص هاتفي وبريدي الإلكتروني وصندوق الرسائل في صفحتي على فيس بوك بالرسائل التي لها علاقة بهذه المناسبة. معظمها رسائل تهنئة، لكن عدداً كبيراً منها يحذر وينذر ويتوعد ويتهم (وأحياناً يكفّر) كل من يقدم على أي سلوك تشم منه رائحة اهتمام بالمناسبة. ويسوق أصحاب هذه الرسائل حججاً مختلفة، أوجَهُها حجتان: الأولى أن هذا الاحتفال بدعة، حيث لم يعرف عن السلف أنهم احتفلوا برأس السنة، أو هنؤوا بعضهم فيها. والثانية أنها تعبير عن مشاركة المسلم في شعائر دينه. فيما يتصل بالحجة الثانية فمن المعروف أن رأس السنة لا يحمل مدلولات دينية مباشرة، وإذا كانت له بعض هذه المدلولات فقد تجرد منها مع مرور الزمن، وتحول لدى معظم البشر إلى مناسبة اجتماعية خالصة، لا تعبر عن الانتماء إلى دين معين، أو مذهب، أو فكر. وقد أطلق على هذه السنة اسم السنة الميلادية لأن الاحتفال بها يكون قريباً من الاحتفال بأعياد الميلاد لدى طوائف مسيحية مختلفة، أما التسمية الأدق فهي السنة الشمسية، وذلك لارتباطها بالتقويم الشمسي المتبع والمعتمد في معظم دول العالم. فالسنة الميلادية (أو الشمسية) ذات مدلول فلكي أكثر منه ديني. ويقابل التقويم الشمسي التقويم القمري، وهو مرتبط أيضاً بظاهرة فلكية لها علاقة بحركة القمر حول الأرض، والكثير من المجتمعات تعتمد هذا التقويم (اعتماداً جزئياً أو كلياً) في تسيير شؤونها، ومنها التقاويم الإسلامية والصينية والعبرية والهندية، ولدى هذه المجتمعات طقوس واحتفالات تشبه في جوهرها الاحتفال برأس السنة الميلادية (الشمسية). غير أن السنة الميلادية تكتسب أهمية أكبر، فالتقويم الشمسي هو الأكثر انتشاراً، بل هو واحد من المناسبات القليلة التي تجمع البشر، وتوحد بينهم، خصوصاً أنه مؤثر في حياتهم بشكل مباشر ويومي، حيث تترتب على عملية الانتقال من عام إلى آخر نتائج تتصل بحساب الزمن، والميزانيات، والأرقام المستعملة في الأوراق الرسمية، والهواتف، وأجهزة الكمبيوتر، والخطط السنوية في مختلف المجالات، وما إلى ذلك. وفي تقديري الشخصي أننا نخطئ كثيراً في إقحام قضية (الحلال والحرام) في كل شيء، فالمناسبة هنا بعيدة عن هذه القضية، لأنها ذات طابع اجتماعي بالدرجة الأولى، يحتفل فيها المسيحي إلى جانب المسلم، إلى جانب اليهودي، إلى جانب البوذي، إلى جانب جميع المنتمين إلى الأديان الأخرى، وقد تكون فرصة للبشر جميعاً كي يلتقوا في لحظة محبة يعيدون فيها حساباتهم بشأن ما يختلفون حوله، ويتقاتلون، ويتصارعون. أما قضية البدعة فلست مؤهلاً لأن أقول فيها شيئاً، وإن كنت ممن يعتقدون أن البدعة تكون في أمور تخص الدين وحده، أما في الحياة وتفصيلاتها فالأمر يصبح تطوراً، وثقافة، وسلوكاً شخصياً بسيطاً، كالاحتفال بمناسبة ما، خصوصاً إذا انقطعت هذه المناسبة عن سياقها الديني، كما هو الحال مثلاً في الألعاب الأولمبية التي كان اليونانيون القدامى يقيمونها احتفالاً بآلهتهم، ثم تحولت إلى تظاهرة رياضية راقية تجمع ولا تفرق.
#بلا_حدود