الخميس - 17 يونيو 2021
الخميس - 17 يونيو 2021

هواجس

(1) بينما كانت تتأمل واقع الزميلات والصديقات ذوات العقليات السطحية ومدى بساطة أحلامهن وأفكارهن وتطلّعاتهن وأحاديثهن، وبالتالي جمال الحياة التي يحظين بها، تنهَّدت بعمق متسائلة:«ماذا لو كنتُ فتاة أخرى؟!». (2) في زاوية خافتة من المقهى جلست في أول أيام إجازتها السنوية تتناول طعام الفطور مع نفسها، تتجاذب أطراف الحديث مع ذاتها، تتذمَّر من الرسائل التي لم تتوقف عن الورود إلى بريدها الإلكتروني الخاص بالعمل وتتأمل طاولة يرتادها ثلة من المتقاعدين الطاعنين في الحياة الفارغين من الأعباء والمنهمكين في الاستمتاع .. أخذت تتنصَّت إلى أحاديثهم الشيقة وتهمس لنفسها:«ليتني خمسيني متقاعد» ! (3) في جزء سحيق من قلبها لطالما أعلنت رفضها التام للعقلية الذكورية المسيطرة والسائدة في مجتمعها، تلك المتأصِّلة بشكل ظاهر أو غير ظاهر في ذهن كل فرد من أفراده، ذكوراً وإناثاً.. وباستحياء شديد من نفسها اعترفت بصوت متكسر على قارعة اليأس:«آه لو كنتُ رجلاً!». (4) حين زارت الحضانة المجاورة لمقر عملها ذات يوم وشاهدت الأحضان المجانية التي يحظى بها الأطفال من البشر والشمس والسماء والكون والحياة برمتها.. ومن غير أن يطلبوها أو يعبِّروا عن احتياجهم إليها، ثرثرت دمعة منسابة على وجناتِ قلبها: «ليتني طفلة»!. (5) كانت على يقين تام بأنها تجسيد حقيقي للبحر .. أخبرت الدنيا كلها بأنها هي البحر في ملوحته، في عمقه، في زُرقته، في هدوئه، في صخبه، في تجدُّده، في عطائه، في غموضه وفي مزاجيته أيضاً .. وحين نضبت من فرط العطاء وطول الاستماع إلى حكايات البائسين وشكايات اليائيسن صرخت:«يا ليتني كنتُ سراباً!».
#بلا_حدود