الاثنين - 21 يونيو 2021
الاثنين - 21 يونيو 2021

بين المستشفى والمقصلة

ارتداء «البالطو الأبيض» لا يدل بالضرورة على الطبيب، قد يدل على الجزار أيضاً. كانت طالبة مُثيرة للمتاعب، كثيرة الحركة، لكن كانت لها صمتاتها الطويلة والمريبة بين كل شغب وآخر، تجلس ساهمة بحدقتين متسعتين حتى آخرهما، تنظر إلى الأرض بشكل يبعث على التساؤل، لم تكن سوى طفلة تبلغ من العمر سبع سنين، ولكن على الرغم من ذلك فإن كثرة شرودها تدل على همٍّ كبير، وقد تكون الحركة الزائدة وسيلتها الوحيدة والمتاحة للهرب من تلك الغمامة السوداء التي تعبر ذاكرتها. معلمتها كانت تقسو عليها بين الحين والآخر، ولكن زميلة المعلمة كانت تصرّ على أن خلف هذه الفتاة قصة، فوراء كل شرود قصة كالغصة. حين قابلتها صدفة هي وأمها في أروقة المستشفى، دار بينهما حديث مطول أدركتْ من خلاله معاناة هذه الفتاة، وأنها كانت متعلقة بأبيها أشد التعلق ولكنه تُوفي خطفاً، حين أجروا له عملية يُفترض أنها بسيطة ونسبة الخطر فيها صفر في المئة، ولكن في المستشفى «سين» كل شيء بسيط قد يغدو مميتاً. أظنكم تتساءلون عن الربط اليوم بين مفردة «المستشفى» و«المقصلة»، أعلم أن الفرق بينهما شاسع، وليس مجرد نقطة أو حرف واحد، إنه كالفرق بين الأبيض والأسود، ولكن من يستطيع أن يُفهم الأطباء في المستشفى «سين» أن الفرق بينهما كبير؟! أتساءل عن ضمير الطبيب الذي يجري العملية، وهو يعلم في قرارة نفسه أنه غير مؤهل لإجرائها؟ هل يرى غرفة العمليات مختبراً للتجارب وأن تلك الأجساد المُمددة أمامه على السرير الأبيض مجرد فئران؟ حتى الفئران سيأنف صاحب الضمير الحي والشجاع من أن يمارس جهله عليها، وسيترفع عن تعذيبها أو قتلها، فكيف بالإنسان؟ تقول بينما كان الحديث يدور بينها وبين أمها، كانت الطفلة تقاطعهما كل حين لتذكر تفاصيل وفاة والدها، وتحفظ عن ظهر قلب التقرير الطبي متضارب الأقوال لوفاته، وتاريخ الوفاة وماذا كانت تفعل حين أُخبرت بالخبر، وكم كان عمرها، وتُصحح لأمها حين تُخطئ، وتسد ثغراتها حين تتلعثم، كانت تملك ذاكرة فقدٍ فصيحة للغاية. فبين المستشفى والمقصلة مسافة ضمير شجاع يعلم تحديداً متى عليه أن يترجل من على صهوة الرداء الأبيض. [email protected]
#بلا_حدود