الاحد - 13 يونيو 2021
الاحد - 13 يونيو 2021

الشخصية الناقدة

ثمة فرضية تقول إن الإنسان لا يولد ناقداً، ولكن الظروف التي تمر به تنقله من خانة الإبداع إلى خانة النقد. وكلما زادت هذه الظروف سوءاً زاد نقده حدة. ولكن كيف يحدث ذلك؟ ولماذا؟ فلنفترض أن (س) يشعر في قرارة نفسه بأنه شاعر جزل، يفوق أقرانه موهبة، ولكنه على الرغم من ذلك لا يحظى بالقبول من الناس، ولا تلقى قصائده أي ثناء منهم، فيتراكم الإحباط في نفسه، ومع استمرار تجاهلهم له يتوقف عن الكتابة، وشعور عميق بالغبن يملأ قلبه. في معظم الحالات، يتحول هذا الإنسان من دون إدراك منه إلى شخصية محبطة، متذمرة، ناقدة، مستفزة، لا يعجبها شيء، وترى نفسها أفضل من كل من جاء بعدها، وتمارس نوعاً رخيصاً من النقد، يُهمل الإبداع، ويُحارب المبدع. وفي الأغلب يحتفظ في عقله الباطن بآراء مسبقة، تغنيه (حسب اعتقاده) عن متابعة الإنتاجات الجديدة. وعندما تسأله هل اطلعت على هذا العمل قبل أن تنقده؟ يقول لك ـ إن كان صادقاً ـ: لا، ولكني متأكد أنه ليس جيداً! ولا أعتقد أني سأجافي الحقيقة كثيراً، لو قلت إن معظم النقد السائد في ساحاتنا الإبداعية هو من هذا النوع الرديء، خصوصاً في ظل غياب النقد المتخصص، المستند على معايير مدروسة. فلو تتبعنا السير الذاتية للمنشغلين بالنقد في وقتنا الراهن، سنجد أن فئة كبيرة منهم تحولت إلى ساحة النقد بعد فشلها في ساحة الإبداع، وأصبحت تنادي بأشياء لم تطبق واحد في المليون منها في إنتاجاتها السابقة، في عملية أشبه بتصفية الحسابات، والانتقام للذات. ولكن هل معنى ذلك أن نُسقط النقد من حساباتنا، ونعتبره عدواً دائماً؟ بالتأكيد لا، فأي نهضة إبداعية يجب أن يواكبها نقد رصين، وهذا النوع الفاخر من النقد مازال موجوداً، ولم يتلاشَ تماماً من ساحاتنا الإبداعية، ويتسم في الأغلب بسمات معينة تعين المبدع على تمييزه عن الأنواع الرديئة الأخرى. من أهمها: - أنه نقد موضوعي، يستند إلى معايير واضحة، ولا يعتمد على الذائقة الشخصية. - أنه نقد مرن، يراعي متغيرات الزمان والمكان. - أنه نقد بعيد النظر، يستطيع قراءة التفاعلات المستقبلية للعمل. - أنه نقد جريء، يحترم المحاولات المختلفة، ولديه الاستعداد لتقبل الجديد، ولا يمنح القديم أي قداسة. - أنه نقد مستقل بذاته، ولا يتأثر بالآراء السائدة. - أنه نقد صادق مع نفسه، ولديه الاستعداد لتقبل فكرة تفوّق الأعمال الجديدة عليه. ونجد في الأغلب هذه السمات في النقاد المتخصصين المؤهلين أكاديمياً، الذين اختاروا مجال النقد منذ البداية، ولم يتحولوا إليه مُرغمين من مجالات إبداعية أخرى. [email protected]
#بلا_حدود