الجمعة - 25 يونيو 2021
الجمعة - 25 يونيو 2021

أن تترك علامة .. فهي موهبة

كانت شخصية ترفض أن تمر مرور الكرام، تأبى إلا أن تترك بصمة لا تمحوها السنون، لديها قدرة على ترك أثر، لا تقودها إلا الفطرة، فقد كانت بسيطة التعليم، متواضعة الجمال، لا تعلم من الأمور إلا ما مرّ بها من خلال يومياتها العادية، إلا أنها تنهل كل عصارة التجربة وتصل إلى زبدتها. كثير من حولنا على مستوى من التأهيل العالي، قرؤوا الكتب وجابوا الأقطار، ودخلوا غمار الحياة من عدة أبواب، لكنهم لم يخرجوا من كل هذه الظروف والمحكات إلا بمعرفة وسائل الخروج من دون تفاصيل، ومن دون أن يحولوها إلى قواعد، أما هي فقد عايشتنا على مدى عشرة أيام، عندما كنت في العاشرة من العمر في زيارة مع العائلة للإسكندرية. حينها استأجرنا منزلاً في منطقة الشاطبي، وكان المنزل يشتمل على خادمة، أحببناها وأحبتنا، كانت إيجابية الطباع، دائمة الابتسام والتفاؤل، مبدعة في إنعاش الأجواء بطريقتها، عرفت ذلك منذ اليوم الأول لإقامتنا، عندما عدنا من زيارةٍ لقصر المنتزه حيث بقايا موجودات الملك فاروق، كانت كل تفاصيل الزيارة بالنسبة لطفلة في العاشرة من العمر .. مدهشة. عندما دخلنا المنزل، كانت الدهشة الأكبر، وجدنا طبقاً مغطى على الطاولة لفت انتباهنا، فأخبرتنا الخادمة بأنه مفاجأة، وبروحها الحلوة وخفة ظلها وحيويتها وذوقها، حولت الأمر للعبة أشبه بلغز، منعتنا من فتح الطبق ومعرفة ما في داخله قبل أن نخمن، فأخذنا نحزر ونخمن، اشتركنا جميعاً، كبيرنا وصغيرنا، فقد كانت أشبه بمسابقة لا تشترط فئة عمرية بعينها، تساوينا جميعاً، وأخذت الإجابات تنهال حتى وصلت للبعد الخيالي، ونحن نضحك. قال أحدنا إنها بيضة طائر الرخ، وقال آخر إنها رسالة من كوكب آخر، وأضاف ثالث أنها قد تكون بيضة الديك أو لبن العصفور. وكان تخميني أنا من وحي أحلامي الصغيرة، فقد أردتها أن تكون فانوس علاء الدين ومارده ينتظر الخروج، كثر الهرج والضحك وكثرت التخمينات فحسمت الأمر هي بإعلان فشلنا جميعاً وتولت بنفسها فتح الغطاء لنعرف المفاجأة، والمدهش بالنسبة لي أن ما كان في الوعاء سوى حبات من البطاطا الحلوة المشوية .. فقط لا غير. أذكر أن مذاقها كان ذلك اليوم أطيب من أي بطاطا تذوقتها من قبل ومن بعد، والسر أن أسلوب العرض كان مختلفاً. أيقنت يومها أننا نحن من يجعل للحياة طعماً ومذاقاً، أيقنت أن نشر السعادة لعبة ذكية، أيقنت أننا نملك أن نضيف لأي شيء مهما صَغُر قدره معنى ونكهة، أيقنت أننا بأساليب بسيطة جداً يمكننا نشر البهجة وتحريك المياه الراكدة كي تنبض بالحركة والحياة، ومنذ ذلك الحين وضعت كل هذه الملاحظات نصب عيني، وصارت جزءاً من شخصيتي، ودوماً أذكر تلك الخادمة بكل خير، وأرسل لها شكري عبر الأثير لعله يصلها. نسيت اسمها، لكنني لم أنسَ يوماً ما حفرته في ذاكرتي وأثرت به في شخصيتي. [email protected]
#بلا_حدود