الخميس - 24 يونيو 2021
الخميس - 24 يونيو 2021

تعليم ألماني

رأيت مقطع فيديو قصيراً أنتجته منظمة غرف صناعة وتجارة ألمانيا يشرح نظام التعليم الألماني وما يميزه عن أنظمة تعليم أخرى، فبعد مراحل دراسية يمكن للطالب أن يقرر مساره التعليمي المتخصص، ويختار في الأغلب مدرسة مهنية تعلم مهنة ما في مجالات الصناعة والهندسة، ويصبح التعليم متخصصاً في المجال الذي اختاره الطالب، ويرافق هذا التعليم تدريب عملي يمارسه الطالب في مؤسسة ما، في التدريب المهني يطبق الطالب عملياً ما تعلمه من أفكار ونظريات في المدرسة. فائدة مثل هذا النظام أنه يقلص وقت التدريب اللازم للموظف الجديد لأنه يتدرب عملياً ويتعلم في الوقت نفسه، ويكتسب خبرة على أرض الواقع، وهذا يعزز من فائدة تعليمه، ويدخل أيضاً سوق العمل ويكسب مكافأة مالية من المؤسسة التي يعمل ويتدرب فيها، وهكذا يبدأ مبكراً مساره الوظيفي، ويبني خبرة عملية مفيدة له وللمؤسسة، ويبدأ علاقة عمل ستفيده لاحقاً بعد إنجاز التعليم المهني. لا يمكن لأي مؤسسة أن تقدم التدريب المهني للطلاب، هناك مقاييس وضعتها منظمة غرف صناعة وتجارة ألمانيا لتضمن أن التدريب المهني سيفيد الطالب عملياً، وسيتمكن الطالب من التعامل مع الواقع المهني أو الوظيفي في المؤسسة بعد تخرجه في التعليم، بمعنى آخر فإن الطالب سيكون جاهزاً للإنتاج والمساهمة في أعمال المؤسسة من دون حاجة لتدريب مسبق لأنه مارس التدريب العملي في فترة مضت عندما كان يتعلم ويعمل في الوقت نفسه. يمكن للطالب أن يحدد مساره التعليمي أو المهني كذلك، فمثلاً يمكنه أن يكمل العمل والتدريب المهني ثم يلتحق بجامعة، حتى لو لم تكن لديه شهادة مدرسية عليا أو ما يعادل شهادة الثانوية العامة لدينا، أو يمكنه إكمال تعليمه، وفي الوقت نفسه لدى الطالب من الخبرة والممارسة العملية ما يكفي لأن تتنافس على توظيفه مؤسسات أخرى. قارن هذا بما يحدث في أنظمة تعليم أخرى، الطالب يمارس التعليم النظري، وفي مواد كثيرة قد لا يكون لها أدنى فائدة في حياته العملية. اسأل أي موظف عن تعليمه وفي الأغلب سيخبرك أنه نسي معظم ما تعلمه إلا القليل الذي يحتاجه عملياً في حياته، المهم هنا أن التعليم أكاديمي بحت وليس له أدنى علاقة بالواقع، ولأن متطلبات سوق العمل تفرض على الطالب الحصول على شهادة تعليم لمرحلة بعد المدرسة، فهو يقضي سنوات أخرى في كلية أو جامعة ويتلقى مزيداً من التعليم النظري المتخصص في هذه الحالة، لكن قد لا يكون مناسباً للطالب لأنه لا يعرف بعد كيف سيطبق هذا التعليم على أرض الواقع. بعد ما يزيد على 16 عاماً من التعليم يخرج الطالب إلى سوق العمل غير مستعد له فهو بحاجة لتدريب مسبق مهما كان مستواه التعليمي مرتفعاً، وكثير من المؤسسات تطلب خبرة مسبقة من الموظفين الجدد، وهذه الخبرة لا يمكن الحصول عليها إلا بالعمل في وظيفة ما، وتصبح هذه دائرة مستحيلة، فلا خبرة بلا عمل، ولا عمل بلا خبرة! المؤسسات تطلب موظفاً جاهزاً في مجتمعٍ نظامُ تعليمه لا يوفر هذا الموظف الجاهز بأي شكل، وكثير من المؤسسات ليس لديها أدنى استعداد لتقديم تدريب عملي للموظفين الجدد. أكثر طلاب ألمانيا يلتحقون بمدارس مهنية تعلمهم مهارات صناعة ما، ليس غريباً أن تكون منتجات ألمانيا من أعلى المنتجات جودة ويطلبها كثير من الناس، ومازال الناس إلى اليوم يرون في جملة «صنع في ألمانيا» تأثيراً إيجابياً يجعلهم يثقون في المنتج، انظر فقط في أي إشارة مرورية وسترى حولك أنواعاً من السيارات الألمانية. أن يتعلم الطالب صنعة ومهارة تعتمد على اليدين والعلم والفن، فهذا يعني أنه يستطيع العمل في مؤسسة تنتج وتصنع منتجات تباع في السوق المحلي أو العالمي، ويمكنه أن يعمل وحده في ورشة خاصة ويكتسب دخلاً من مهاراته العالية. قارن ذلك بالتعليم النظري وبأناس يشغلون مناصب مكتبية يستطيع حاسوب وبرنامج أن ينجز أعمالهم اليومية، وبالتالي هم يمارسون أعمالاً لا تتطلب ذكاء أو مهارة، عندما يخرج هؤلاء من سوق العمل، فما المهارات التي تعينهم على كسب أرزاقهم بأنفسهم أو الحصول على وظيفة أخرى؟ أرى أننا بحاجة لتطبيق جزء من التعليم الألماني لكي نربط بين النظريات والتطبيق. [email protected]
#بلا_حدود