الثلاثاء - 22 يونيو 2021
الثلاثاء - 22 يونيو 2021

إن قال خليفة فعلوا .. محبة لا خضوعاً

حين يقف المساكين والضعفاء ممن هُجِّروا من وطنهم بلا حول ولا قوة أمام خطر داهم موجهين دعواتهم لربهم كي يرأف بهم .. فما من سند لهم بعد اللـه عز وجل مثل إخوتهم وأهلهم. لعل ما سبق يلخص حال مئات الألوف من اللاجئين السوريين في دول الجوار وهم فوق بلواهم باللجوء معرضون لموجة قاسية من الصقيع مصحوبة بعاصفة ثلجية أطلق عليها الراصدون والإعلاميون اسم «هدى» لعلها تكون على اسمها رحيمة بالمنكوبين. برد الكانونين من يعرف بلاد الشام أو عاش فيها قبل الاضطرابات يدرك قسوة الشتاء، وصعوبة تحمل برد «الكانونين» الأول والثاني ـ ديسمبر ويناير ـ فالحركة تقل بعد المساء، والناس يستقرون في بيوتهم إلى جوار المدافئ، وينامون متدثرين بالألحفة وفوقها البطانيات، وعندما يستيقظون صباحاً تتجمد الأيادي والوجوه عند غسلها بالماء البارد جداً، وخدمت الحضارة الكثير منهم بدخول سخانات الماء التي لا تكاد تتوقف عن العمل خلال فصل الشتاء. فما بالنا مع انقطاع الخدمات من كهرباء وماء وكثير من أساسيات الحياة بسبب الحرب التي تدور هناك بين أطراف متعددة. الحياة شبه مستحيلة، ولن يقوى على تحمل الظروف القاسية إلا القليل، أما الأكثرية فسوف يعانون الأمرين كي يقاوموا المرض أو ما هو أخطر منه. أما الخروج صباحاً في مثل هذه الأيام من كل عام، فهو مخاطرة، الماء المتجمع في الطرقات تجمد، والسيارات والبشر معرضون للانزلاق وتبعاته من حوادث أو كسور ومستشفيات. كل ذلك، وتأتي العاصفة لتكمل المأساة، قد تكون العاصفة بدأت مع صدور هذا العدد أو قبل ذلك بقليل، ولذلك، فإن أكثر من مليون لاجئ بحاجة إلى المساعدات، خصوصاً مع احتمال اقتلاع الخيم من مواضعها، وحدث ذلك في لبنان أمس والعاصفة لم تبلغ ذروتها، أما عن نقص المواد الغذائية والأدوية والمحروقات اللازمة للتدفئة فالمسألة ليست خافية على أحد، وحين توضح المنظمة العامة للأمم المتحدة أن «أربعمئة ألف لاجئ سوري سيكونون الأكثر تأثراً لأقسى الظروف الجوية في منطقة البقاع ـ في لبنان ـ المرتفعة جداً عن سطح البحر»، والأمر لا يختلف كثيراً في مخيم الزعتري في الأردن، فهنا لا بد من تحرك عاجل للإنقاذ. تحرُّك في وقته لم تكد أخبار العاصفة تنتشر حتى تحركت دولة الإمارات العربية المتحدة، كعادتها، للمبادرة كي تساعد ما استطاعت، لتؤكد أن تصدرها العالم في المساعدات الإنمائية للعام 2013 في التقرير المعلن أخيراً بضعفي النسبة المستهدفة عالمياً لم يأتِ من فراغ، وأن الركائز التي تأسست عليها الدولة لم تتزحزح، فهي لم تبخل على الغريب يوماً بمساعداتها، خصوصاً الإنسانية، وبالتالي لا يمكن إلا أن تكون في طليعة من يمدون اليد للقريب الشقيق من غير مِنّة. وعليه، فكان التحرك الإماراتي في وقته، وأتى توجيه صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، حفظه اللـه، بالبدء الفوري في إنشاء جسر جوي لنقل مواد الإغاثة العاجلة لمساعدة آلاف اللاجئين في الأردن ولبنان، إضافة إلى المتضررين في غزة وباقي الأراضي الفلسطينية ليؤكد حرص أهل الإمارات على إخوتهم هناك، فالمسألة لا تحتمل التسويف أو التأجيل، ودقائق معدودة ربما يكون فيها إنقاذ أرواح ليس لأصحابها ذنب في تهجيرهم، وإنما هم يدفعون ثمن أخطاء غيرهم من نظام متشبث بالسلطة مهما حدث من دمار، وجماعات متطرفة إرهابية وجدت في الفوضى مرتعاً خصباً لها، ومعارضة تفرقت فأضاعت طريق الخلاص، ليزداد شتاتها. لاموا وما فكروا وهنا سأكون أكثر صراحة، فمن غير المقبول أن ينبري البعض من السوريين وغيرهم بغير وعي ليلوموا دولة الإمارات وهي تساعد اللاجئين، لأنها أنفقت كذا وكذا في مجالات أخرى لا تعجب أصحاب تلك الآراء، ولو فكر هؤلاء قليلاً بأن نظامهم ومعارضتهم ومن دخلوا بلادهم في غفلة ومن ادعوا الانتماء إلى جماعات إسلامية ومن أطلقوا على كتائبهم المقاتلة مسميات إسلامية، كل من ذكرت لم يمدوا يد العون لأحد، فهل تُلام دولة الإمارات على مساعداتها، أم تراهم يريدون منها أن توقف كل حركة في أراضيها وتنميتها من أجل أن تدفع «كل شيء» لهم كي يرضوا ويوقفوا عبارات الإساءة. ليتهم ركزوا بعقلانية على ما قاله صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان أمس إن «رفع المعاناة عن مئات الآلاف من اللاجئين في هذا الشتاء هو واجب يمليه علينا ضميرنا الإنساني ويدعونا إليه ديننا الإسلامي وتدفعنا إليه قيمنا الإماراتية الأصيلة التي رسخها فينا آباؤنا المؤسسون». ليتهم ينتظرون قليلاً ليروا نتائج دعوة صاحب السمو رئيس الدولة وهو يقول «أبناء الإمارات هم أبناء زايد الخير .. وندعو شعب الإمارات وجميع المقيمين للبدء في حملة إنسانية إماراتية لدعم إخوانهم اللاجئين والمتضررين في هذه الظروف الجوية الصعبة»، فقد لمسنا هنا من تفاعل أبناء الإمارات مع نداءات قادتهم ما لا يوصف، فتأثير نداء صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان لدى شعبه يفوق ما بين الأب وأبنائه، واندفاع الإماراتيين في حملة «تراحموا» سينبع من قلوبهم لأنهم فطروا على هذه السجية، ولأن أياً منهم يمثل الكلّ، ففي مثل هذه الحالات يصبحون كتلة واحدة متجانسة متناغمة. تلبية بـحملة «تراحموا» في الخير هم سباقون وأصحاب مروءة ـ ولا أجامل ـ ومن تابع أخبار أمس اطلع على التلبية الفورية لتوجيهات صاحب السمو رئيس الدولة، إذ طلب صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه اللـه، من الجهات المعنية أن تبدأ مباشرة بتنفيذ توجيهات صاحب السمو رئيس الدولة بإنشاء الجسر الجوي الإماراتي لنقل الإعانات الشتوية، وأكد أن الدولة لن تتخلى عن مسؤولياتها الإنسانية تحت أي ظرف. لم يكتفِ صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم بذلك، بل أتبعه بدعوة المنظمات الدولية والإنسانية للوقوف مع الأطفال والنساء في مخيمات اللاجئين الذي يواجهون أقسى الظروف الجوية، ودعا أيضاً «الإخوة والأصدقاء في وسائل الإعلام العربية والعالمية إلى تسليط الضوء على هذه المأساة الإنسانية، للمساهمة في إغاثة اللاجئين، خصوصاً النساء والأطفال». أما ملخص الحالة الإماراتية خلال ساعات فيقول «توجيه من صاحب السمو رئيس الدولة ومتابعة من نائبه وتلبية من الجهات المعنية، جسر جوي ثم لجنة مكونة من جهات إغاثية وحكومية وإعلامية لتنفيذ توجيهات صاحب السمو رئيس الدولة، لتنطلق حملة «تراحموا» من أجل دعم اللاجئين المعرضين للخطر بما يحتاجونه في محنتهم الصعبة .. حملة تشارك فيها الجهات حكومية والمدارس ومؤسسات من القطاع الخاص والفعاليات المجتمعية، وللإعلام دوره الكبير المرتقب يوم الجمعة من خلال توحيد بث القنوات المحلية لنقل أحداث حملة «تراحموا»، ومتابعة أخبار إغاثة اللاجئين والمتضررين من العاصفة الثلجية. من يشكك في الدور الإماراتي في مساعدة السوريين المحتاجين رغم ما يشاهده على أرض الواقع فتلك مشكلته، ومن لا يريد الاعتراف بالحقائق فذلك شأنه، لكن المأمول من كل هؤلاء أن يصدوا وجوههم ويوقفوا سهامهم وكلماتهم، لا لشيء، إلا كي يستمر المخلصون في عملهم من غير منغصات ومن غير تعطيل، فلن يكون لكل ما يُقال تأثير في مسار دولة اتُخذ قبل أكثر من أربعة عقود، وها هي حملة «تراحموا» تقطع الشك باليقين وتثبت للجميع أن أبناء الإمارات إن قال قائدهم فعلوا، ليس خضوعاً وإنما محبة، وشتان ما بين بلاد تدار بالمحبة وبلاد تدار بالقمع حتى صارت نموذجاً للمأساة.
#بلا_حدود