الثلاثاء - 22 يونيو 2021
الثلاثاء - 22 يونيو 2021

هل يجرؤون كما «مالكوم إكس»?

من الأقوال المأثورة قبل أكثر من نصف قرن عن أشهر المنظرين المسلمين الأمريكيين من أصول أفريقية «مالكوم إكس» مخاطباً مجموعة من مستمعيه البيض قائلاً: «عندما جاء أجدادكم إلى أفريقيا كنا نملك الأرض وكانوا يحملون الصلبان، أما الآن فنحن نحمل الصلبان وهم يملكون الأرض». في أوائل القرن السابع عشر ظهرت حركة إسلامية بين السود في أمريكا تبنت الإسلام بمفاهيم خاصة، غلبت عليها الروح العنصرية عُرفت باسم «أمة الإسلام»، وذلك على يد رجل أسود غامض الأصل اسمه «والاس فارد» ظهر فجأة في «ولاية ديترويت»، داعياً إلى حركته بين السود، وقد اختفى بصورة غامضة بعد إعلانها بأربع سنوات، فحمل لواء الدعوة بعده «إليجا محمد» الذي أصبح رئيساً للحركة لاحقاً. «أمة الإسلام» .. حركة تدعو إلى تفوق الجنس الأسود وسيادته على الأبيض، ووصف البيض بأنهم شياطين، وأن الملاك أسود والشيطان أبيض، وأن رسالة الإسلام وُجهَت إلى السود كونهم المضطهدين في الأرض. اعتُبرت عقيدة الجماعة منحرفة جداً، كما وصفت بالباطلة، كونها أشبه بالحركات الباطنية، فلقد أعلن زعيم الحركة «إليجا محمد» بأنه رسول من الله، لذا فقد اختلق أيديولوجية جديدة في الاعتقاد الديني، فهو لا يؤمن بالملائكة والغيبيات، والبعث عنده عقلياً للسود الأمريكيين فقط، وأن الصوم يكون في شهر ديسمبر من كل عام، وإلزام كل عضو في الحركة بدفع عُشر دَخله لمصلحة تلك الحركة. في تلك الأثناء كان «مالكوم إكس» يعتنق الديانة المسيحية ويقبع في السجن بتهم السرقة، واستمر حبسه ثمانية أعوام، كما كان يستقبل رسائل من «إليجا محمد» يدعوه فيها إلى الإسلام، وفي عام 1952 خرج «مالكوم» من محبسه والتقى بـ «إليجا»، واعتنق الإسلام بمفهوم زعيمها «إليجا» وانضم رسمياً إلى حركة «أُمة الإسلام»، وتحول بعدها إلى حياة الزهد والتعلم، فذاع صيته وتأثر به الكثير لأنه كان خطيباً مفوهاً ذا حماس شديد، وفي عام 1963 اعتنق الإسلام على يده ما يقرب من الـ 30 ألف شخص كلهم من السود تحت فكر الحركة. في مطلع ستينات القرن العشرين اختلطت الأمور على «مالكوم» نتيجة الشائعات حول الأب الروحي لـ «أمة الإسلام» «إليجا محمد» الذي انغمس بعلاقات جنسية غير شرعية، ومن ثم قرر انفصاله عن «أمة الإسلام» وتكوينه لمنظمته الخاصة. في هذه الأثناء دخل الفضول لدى «مالكوم» للبحث عن كُتب إسلامية ليكتشف أكثر، بدلاً من التلقي عبر مصدر واحد أو من فكر معين، فقرأ عن الإسلام جيداً، وبعدها قرر أداء فريضة الحج، فقدِّر له أن يقوم بذلك سنة 1964، وفي الطائرة التي أقلعت من القاهرة إلى جدة رأى بها ألواناً مختلفة من الحجيج، وقضى في مكة المكرمة والمشاعر المقدسة 12 يوماً، حيث هاله ما رآه هناك من مسلمين بيض وسود كلهم على قلب رجل واحد، وبينهم مساواة ومحبة، وتعلم الدين الحقيقي عبر رجال معتدلين، وعرف أن الإسلام ليس دين الرجل الأسود فقط بل هو دين الإنسان، وأدرك ضلال المذهب العنصري الذي كان يعتنقه ويدعو إليه، وعاد من حجه ذاك ليجدد رسالة دعوته، ليلقى حتفه بعدها بسنة عبر رصاصة أردته قتيلاً في «نيويورك»، حيث وُجّهت التهمة إلى رجال من حركة «أمة الإسلام». قصة «مالكوم إكس» ربطت في ذهني حال بعض الفرق المتلونة كالمتأخونة والمتشددة المتشدقة والمتطرفة التكفيرية والإرهابية الدموية الذين صالوا وجالوا في عصرنا، وبعضهم يحسبون أنهم يحسنون صُنعاً في تشويههم للدين لأجل اختلاق مفاهيم خاصة لينشروها بين العامة لتبرير معتقداتهم وأفكارهم، ويبثوها في أذهان البسطاء والأطفال والمراهقين. وما يزيد الطين أن كل تلك الحركات والتنظيمات تنهش في جامعاتنا ونحن ما نزال نشجب وندين، بينما جاء الوقت لترك ذلك والتوجه إلى الحلول التي من شأنها النهوض بالمجتمعات المسلمة إلى بر الأمان، من خلال تحمّل كل جهة معنية المسؤولية، والبدء بكل الحلول الممكنة والسريعة في التنفيذ والطويلة في تكرارها مع التطوير. ستبقى تلك المكونات المنحرفة خنجراً ضارباً في خصر الأمة إلى أن نقوم نحن بحصارها، ولن تتنازل عن مبادئها النتنة، وعلاجها لن يكون إلا بالحرب المضادة من خلال العقل والحكمة، لذا لن ننتظر منهم حجاً فكرياً يقودهم إلى البصيرة وإعادة النظر في مُجمل النظريات الخاطئة كما هو الحال بعد حج «مالكوم إكس»، لأنهم يدركون الحق والحقيقة أين تكمن. [email protected]
#بلا_حدود