الجمعة - 18 يونيو 2021
الجمعة - 18 يونيو 2021

أزمة هوية .. تناقض الشعور

الهروب من حقول الدم والقتل إلى دول القيم والمؤسسات والنظم والتقدم الذهني النوعي والتفكير الفردي الشاق والحياة العملية المتعجلة قد يحدث صدمة لدى من يخوض هذه التجربة، هذه الصدمة تتبعها حالات الاستقرار على فكرة ما، إما التجاوب مع ما يحدث في تلك البلدان والذوبان فيه والانخراط مع نمط تلك المجتمعات المعيشي، وإما النفور الأبدي منه والعزم على محاربته بأي ثمن. المظاهرات التي تعم بعض العواصم الغربية اليوم من قبل اللاجئين الذين فروا من ديارهم المأزومة وتطالب بعودة الخلافة وتكريس قيم الدين تنبئ أن الهروب وحده والخلاص من الموت والخراب لا ينتج بالضرورة الاندماج الاجتماعي والرضا، طالما كانت النفوس مضطربة والعقول مشوشة وتعجز عن الانفصال عما تركته وراءها. التمسك المبالغ فيه من قبل المهاجرين بكل القيم والخصائص الثقافية من البلدان العربية والإسلامية التي تأسست على إلغاء شخصية الفرد لصالح الصلة الاجتماعية، واعتبار التعبير عن استقلالية الإنسان وتنمية قدراته الذاتية نوع من الأنشطة المرفوضة، وتفويض اللغة الاستبدادية للقيام بدورها في أدق شؤون الإنسان خصوصية، هذا التمسك الذي يأتي لغرض إرغام الهوية الأصلية على البقاء وصد التبعية لا يعني في مطلق الأحوال صحة مسار المهاجر للحفاظ على هويته الأصل، بقدر ما يعني الهلع والخوف من ثقافة الحرية للبلد المضيف، أو الإحساس العارم بنقص القيمة وتفوق الآخر. هذه المشاعر تكسب الإنسان قابلية مجابهتها بردود فعل بعضها لا سوي، كالانكفاء على الذات والإضراب عن الاندماج وتفضيل العزلة وأحياناً إعلان الحرب عليها. التخفف من كثير من الحمولات الثقافية والفكرية المرهقة لا يعني بالضرورة ضياع الهوية أو تشوهها، وإذا ما امتلك الإنسان مقومات إثبات ذاته وقدراته في المجتمعات الجديدة فلا شيء يدعوه للقلق حيال هويته طالما أنها سترتبط بجهده وإنتاجه في ذلك المجتمع الذي يعتمد منظومة مغايرة لمعايير قياس فائدة الفرد وأهميته بغض النظر عن انتمائه، هذا التخفف يقود أيضاً لسهولة الاندماج في المجتمعات والتخلص من مخاوف كثيرة وتجاوز عقبات الشعور بالانفصالية والاغتراب والعجز عن التنافس. الهوية الجديدة هي ما ينبغي أن يصنعه المهاجر لذاته ولأبنائه دون أن يتكئ على مرجعيات قديمة تناقض الموجود لديه تركها خلفه، ومن ثم يستميت لفرضها على واقعه فيتفاجأ بحجم المأساة وصعوبة العيش. توسيع الأفق ومحاولة استيعاب أفق الآخر والتفاعل معه سيقوض الكثير من تلك الصعوبات. لا ينبغي بأي حال تحجيم الصدمة الثقافية وارتباك الهوية ورفض كل السبل لتجاوزها، بل الأجدر أن يتم استثمار المهاجر لتلك الفرصة للنجاة بالتأسيس لمشاريع مستقبلية وتربية الأبناء وتعليمهم وفق مثل وقيم وجودة تغيب عن مجتمعاتنا ليشكل الإنسان لذاته هوية فاعلة في المجتمعات المستضيفة، وليس مجرد عالة متعلقة بإرثها، منعزلة ثقافياً، وتشكل عبئاً عليها وقد تشكل خطراً على أمنها وسلامتها.
#بلا_حدود