الثلاثاء - 15 يونيو 2021
الثلاثاء - 15 يونيو 2021

تزاحموا على نجدة الإنسان

هذا الشتاء القارس بما يجر من الثلوج، والرياح، والعواصف بمسمياتها الأنثوية المختلفة، عواصف تطحن الأطفال والنساء، وتذل الرجال. في جهة من العالم الإنساني خلق يتنافسون في سفك دماء البشرية وفي جهة أخرى من هذا العالم خلق يتزاحمون لتكون لهم الريادة في إحياء الإنسان. العاصفة هدى التي شغلت الكبير قبل الصغير، والتي صارت حديث الناس حتى في البلدان المعروفة بجوها الحار، خوف الناس من هذه العاصفة جعلهم يطلقون عليها اسم «هدى» طامعين في أن يكون إيحاء لها بالاحتراس من أذية الناس، ولكن يبدو أن اسمها كان بوصلة ذكية لإيذاء البشرية لا سيما المشردين منهم. ما تشهده بلاد الشام من هذه العاصفة، ومن الرياح التي تجاوزت 110 من الكيلو مترات في سرعتها، والتي رافقتها كميات من الثلوج غمرت قبل كل شيء الخيام الرقيقة وما تضمه من البشر .. بياض الثلوج الذي لم يسرّ به أحد كان رديفاً للموت، ولكشف الأقنعة عن وجوه الكثير في مواقفهم من المتضررين تحت حجج وذرائع شتى لا تقنع من يملك الحس الإنساني الصادق .. العاصفة التي قد تخفي يوماً تحتها تماثيل بشرية لأطفال ونساء وشيوخ يتجمدون ويموتون أشبه بحكايات قرأنا عنها، عن مدن اكتشفت بعد سنين، وتحتها البشر قد تحولوا إلى تماثيل يتميزون بأن وجوههم تنضح بالطيبة. بلاد الإمارات التي كانت وما تزال السباقة إلى الخير اختارت لحملة إغاثتها الإنسانية اسم «تراحموا» لمساعدة اللاجئين السوريين لأنهم اليوم رأس الحربة، وسكاكين الصراع بين قوى لم يمر في قواميسها إلا مسمى المصالح والجشع. الإمارات التي عرفها العالم سليلة الشيخ زايد الخير، واللهفة والمحبة، والكرم هي وأبناؤها الذين يثبتون في كل يوم للعالم أن المال والثراء والجاه التي حباهم بها الخالق أضيفت إليها الحكمة النابعة من قلوب عرفت الله حق قدره، وأسبغت عليهم روحاً إنسانية شفافة عرفوا بها بين أبناء الخليج. مواقف توالت على مر السنين في بلدان عربية، وغير عربية في العالم الإنساني بتوجيه ودعم من رئيس البلاد صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد حفظه الله من كل شر من بناء للمدن في المغرب العربي، وفي مصر إلى تشييد للمدارس، والمساجد لتعليم الأطفال والشباب، إلى فتح للمشافي، ودور العجزة، وغيرها من الإنشاءات في أفغانستان، وباكستان، وفلسطين، حريصة على أن تكرس السبق ضمن إنسانية مكثفة كانت سمة لأهل البلاد في الخليج، وفي الإمارات بالذات منذ بداياتهم، وما تزال. ولا يغيب تسلسل الفضل فيما يأمر به صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي في توجيهه بسرعة إلى تشكيل فريق عمل من مختلف الجهات الإغاثية، والحكومية، والإعلامية لتنفيذ توجيهات رئيس الدولة بالبدء في حملة إغاثة اللاجئين والمتضررين من العاصفة الثلجية التي تضرب بلاد الشام هذه الأيام، وما يصاحبها من انخفاض درجات الحرارة خلال فصل الشتاء، لجنة تضم في عضويتها كلاً من الهلال الأحمر الإماراتي، ومؤسسة خليفة بن زايد آل نهيان للأعمال الإنسانية، ومؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم للأعمال الخيرية والإنسانية، والمدينة العالمية للخدمات الإنسانية، ودبي للعطاء، إضافة إلى مؤسسة أبوظبي للإعلام، ومؤسسة دبي للإعلام، وكل الصحف، والإذاعات المحلية في مهرجان حافل بالدفء يتوج اليوم ببناء جسر جوي يحمل المعونات الشتوية من لباس وطعام وأغطية وأدوية لنجدة بشر لا تربطهم بهم إلا رابطة الإنسان. هذه اللفتات الإنسانية التي تتكاثر في مثل هذه الظروف الصعبة التي تحيط بالبشر حيث تتكالب الطبيعة مع قوى الشر فيها على الإنسان، سيخفف من لوعتها وحرقتها أن حملة الخير هذه ستكون الصدر الحنون الذي يتكئ عليه البشر الذين لا حول لهم، ولا قوة حين جعلوا الضحايا وقوداً للفتن، أو اختبرهم الله تعالى بأن جعلهم ضحايا لشرور المتسلطين. رحمة الله التي وسعت كل شيء، وليست هذه الحملة الإنسانية، وهذا الجسر الجوي لإنقاذ المتضررين إلا دليلا قاطعاً على هذه الرحمة. تحية عرفان للإمارات الكريمة، وشكر موفور لحكامها وقادتها أهل اللهفة والنجدة والخير.
#بلا_حدود