الاحد - 20 يونيو 2021
الاحد - 20 يونيو 2021

فساد المنهج ليس منذ «شارلي إيبدو»

منذ أن كانت مجرد فكرة حتى صارت دستور حياة يتبناه الكثير، وما زالت لغة الدفاع والإدانة على حالها، تأتي الأحداث صغيرة في البداية ويسهل تضييق نطاق البحث عن المذنبين، ويصبح من المعقول أن تمنح دفاعاً على غرار «هذا الفعل لا يمثل إلا فاعله»، ثم تشرع هذه السلوكيات بالتكاثر بجنون، ويفلت عيارها وتخرج عن السيطرة، لكن لغة الدفاع لا تتمدد بفعل تمدد الحوادث، وستظل جملة «الفاعل لا يمثل إلا نفسه» تتردد رغم اتساع المشهد وغزارة العنف. سيل التبريرات الذي يعقب الأحداث الإرهابية باسم الإسلام يأتي جافاً، ويظن أنه يصد المحللين والمفكرين ورجل الشارع العادي بمجرد مقولة «هذا لا يمثل الدين». تطمح مثل هذه التبريرات إلى زوال التصور العنفي والتراجع عن الإدانة الشاملة لكل المسلمين لكنه طموح صعب التحقق، لم يعد يجدي في مجتمعات مررتها أول الأمر، ثم استبد بها القلق أخيراً، واكتفت من التمرير لما أيقنت بأن الولاء لهذا الفكر المنحرف موجود لدى شرائح كثيرة بين مجموع المسلمين. بعض المنهجيات المؤدلجة المتبعة في الكثير من مجتمعاتنا فاسدة، وقد تم إفسادها بالفعل في مراحل مضت وتكلمت عن هذا كثيراً، لكنها ما زالت تتلقى المزيد من الإفساد بترحاب، ولا أقول هذا لمجرد حادثة «شارلي إيبدو» اليسارية التي اعتادت بالأصل أن تنشر تحقيقات ورسومات حول المجموعات الدينية المتطرفة في بلد يؤمّن لها حقها في التعبير، ويتعاهد الحفاظ على سلامتها أياً كان ما تقوله، لكن منذ أن ارتدت تلك المنهجيات علينا أولاً وعاثت بالداخل فساداً قبل أن تنقل بضاعتها الخربة للخارج، هناك تبرير يلصق دائماً بأي حادث يحدث بعيداً عنا وهو أن الساسة الغربيين أعملوا فينا تدخلاً آذى نفوس الشباب وجعلهم أقل تسامحاً، لكن الحقيقة بعيدة عن هذه الثنائية النظيفة، الفعل ورد الفعل. ما نراه يعبث من منهجيات يكرس أصلاً لكراهية الآخر المختلف، وجواز أن تقضي على حياته بقدر اختلافه عنك، وليس بقدر إيذائه لك، وإن كانت حكاية الرسومات قد جعلت المشهد يبدو كرد فعل، لكن عدداً من الحوادث الإرهابية وقعت في مناطق متفرقة من العالم نفذها مسلمون دون أن تكون رد فعل على استفزاز ما، وهي تثبت أن المنهج المنحرف ممتلئ بما يسند هذا الإجرام ويحشد له المخارج الفقهية والأخلاقية من كل صوب. البعض لا يستشعر قدر المشكلة لأنه غارق وسطها أصلاً، لكن المبتعد عن الرقعة يرى برعب دور هذا المنهج وكيفية تحريكه للأحداث، ومن الطبيعي أن الأنفس المشوشة والعقول التي تربت على هذا الإرث العنفي واحتكمت إليه طوال حياتها ستنقله معها حيثما تكون.
#بلا_حدود