الثلاثاء - 22 يونيو 2021
الثلاثاء - 22 يونيو 2021

آه يا دنيا

هل حدث يوماً أن عدت إلى المنزل في ساعة متأخرة من الليل، فضغطت بكل قوة على منبه السيارة لإيقاظ مدبرة المنزل من نومها لتنزل المشتريات من السيارة؟ إن كنت تفعل ذلك، فاسمح لي أن أقول لك إنك إنسان غير متحضر. حتى وإن كنت تتحدث بأربع لغات، حتى وإن كنت خريج جامعة أكسفورد العريقة، وحتى وإن كنت تلبس ساعات رولكس، وتركب سيارات بنتلي، حتى وإن كنت تسافر على الدرجة الأولى ودرجة رجال الأعمال، حتى وإن كنت تستمع لسيلين ديون ولارا فابيان. فالتحضر فكر، وقيم، ومشاعر، تتجسد جميعها في صورة سلوك، ومن دونها لا يمكن أن تحظى بهذه الصفة، مهما دفعت في سبيل الحصول عليها من أموال. فالتحضر صفة لا تشترى، وإنما تكتسب عن جدارة، من خلال ممارسات يومية، لا تخطئها العين المنصفة. فعندما أراك تلتزم بمواعيدك مع الناس، أستطيع أن أصِف التزامك هذا بالتحضر. وعندما أراك تشكر صغار الموظفين على تفانيهم في العمل بالحرارة نفسها التي تشكر فيها كبارهم، أستطيع أن أصف سلوكك هذا بالتحضر. وعندما أراك تعاتب طفلك لأنه لم يُوقر بائع البقالة الأكبر منه سناً، أستطيع أن أصف سلوكك هذا بالتحضر. وعندما أراك تعطي سائقك الخاص راتبه في موعده من دون تأخير، أستطيع أن أصف سلوكك هذا بالتحضر. قبل أيام ذهبت بمعية زميل عربي إلى مقهى مصري، وأثناء جلوسنا كانت المطربة الشعبية بوسي تصدح بأغنيتها الشهيرة «آه يا دنيا». فاستدعى زميلي نادل المقهى، وطلب منه استبدال الأغنية بأخرى أكثر رُقياً ( لفيروز أو ماجدة الرومي)، فرد عليه النادل بأن الزبائن يفضلون هذه الأغنية، ولن يقبلوا بتغييرها، فاشتد الحوار بينهما، ووصل مرحلة التشنج. أثناء جدلهم المحتدم، تذكرت لقاء قديماً مع الموسيقار الراحل محمد عبدالوهاب، وبّخ خلاله مقدم البرنامج لأنه قلل من شأن فنان شعبي شهير جداً، وقال له موضحاً «الأغنية الشعبية أغنية أصيلة، تعبر عن حضارة البلد، والفنان الذي يُحسن تقديمها، يستحق النجومية بكل جدارة». إجابة موسيقار الأجيال يومها راقت لي كثيراً، لأنها ربطت ما بين الأصالة والحضارة، وهو ربط منطقي، وموضوعي جداً، فالاعتزاز بالموروث سلوك متحضر، والانسلاخ منه لتقليد الآخر المختلف، هو الانهزام الحضاري، والتخلف بعينه. تمنيت في تلك اللحظة لو أمتلك الجرأة لأصارح زميلي العزيز بأن الأغنية جميلة، وأصيلة، وابنة بيئتها، وتعبر بصدق عن معاناة الناس (الغلابة)، في حين أن أسلوبه هو في التعامل مع النادل، ومحاولة فرض رأيه على الجميع، متعالٍ، ومتخلف، وبعيد كل البعد عن التحضر! وآه يا دنيا! [email protected]
#بلا_حدود