الخميس - 17 يونيو 2021
الخميس - 17 يونيو 2021

بين حكاية وحماية

«وكلاً نقص عليكَ من أنباء الرسل ما نُثبت به فؤادك» .. القرآن الكريم. يروي حُجة الإسلام أبو حامد الغزالي، قصته مع أخيه أبي الفتوح، حين زاره وهو يرأس ناظمية بغداد، ويُدرس الطلاب علوم الشريعة والفلسفة والمنطق، ويُحاجج المناطقة فيغلبهم، والفلاسفة فيغلبهم، وقد كان كثير الاعتداد بنفسه، فخشيَ الداعية أبو الفتوح على أخيه من الغرور، فروى له حكاية الحجر والسيف التي كانت تروي قصة حجر مُخصص لشحذ السيوف، وقد كان هذا الحجر شديد المفاخرة بنفسه والاعتداد بذاته، وحين وقعت المعركة، أمسك الناس بالسيوف وانطلقوا للقتال، وقد تركوا الحجر مُلقى على الأرض خلفهم، وحين عادوا من معركتهم، صاروا ينظمون قصائد فخر بالسيوف وأفعالها، ولم يأتِ أحد منهم على ذكر الحجر الذي لولاه لبقيت السيوف مجرد قطعة حديد لا مضاء لها. وأنهى أبو الفتوح القصة على هذا النحو، ومضى تاركاً وراءه أخاه أبا حامد الغزالي غارقاً بتفكيره، إذ أدرك أنه المقصود بقطعة الحجر، وأن العلم إن لم يزد المرء تواضعاً، سيكون مصيره كالحجر، فخرج في رحلة بحث امتدت ما يقارب العشر سنوات، نظف فيها بيوت الخلاء وشوارع دمشق، كي يُروّض النفس ويكبح جماح غرورها، وبعد هذه الرحلة الطويلة والشاقة قام بتأليف كتابه الشهير «إحياء علوم الدين». بالحكاية وحدها، تزرع بالنفس الدروس والعِبر والحكمة، بالحكاية وحدها تستطيع أن تغرس حول القلب أوتاداً فيكفّ عن رجفته، بالحكاية وحدها تخلق عالماً آخر جديداً، سحرياً يأخذك بعيداً عن العوالم الملوثة، يسافر بك في مشارق الأرض ومغاربها. بالحكاية وحدها تنشر غسيل العالم القذر، تستطيل حنجرتك ويُصبح الصوت بلا مدى، بالحكاية وحدها تسافر قوافل الأفكار بدون توقف، تسري كما يسري الليل بسرمدية بحتة. فبين حكاية وحماية، مسافة تُروى. [email protected]
#بلا_حدود