الخميس - 24 يونيو 2021
الخميس - 24 يونيو 2021

ثقافة أخرى

تحدِّثني عن الانفتاح وضرورة التعايش وتنتقد أولئك الذين يمتهنون التعميم وإطلاق الأحكام على الآخرين .. إلا أن فلتات اللسان تضرب بكل ما قالته عرض الحائط كاشفةً الكثير مما لم تقلْه، وفي لحظة اللاشعور تطفو على شخصيتها رواسب الجاهلية المنتنة. مهما درس البعض وتعلم وقرأ وتثقف وانفتح يبقَ في داخله الكثير من عوالق التربية الرجعية والتراكمات النفسية والمجتمعية، فكأنك أمام متعلم يتحدث بلسان والده الأمِّي.. هذا بالفعل ما يحدث وقد يستمر الوضع في استنساخ المزيد من الأجيال التي تفكر بعقليات آبائها وتتصرف كما كان أجدادها يتصرفون، ما لم يتم تحويل الثقافة والمعرفة من مجرد كلام نظري يُقرأ ويكتب ويُتداول ويُتباهى به فقط إلى واقع يُطبَّق ويعاش في الحياة اليومية. الثقافة ليست أن أعرف أسماء الكتب ومؤلفيها وأحفظ اقتباساتها، بل أن أعرف كيف أوظِّف معانيها أثناء التعاطي مع الحياة من حولي.. الثقافة ليست أن أفهم أكثر منك وأسعى لإثبات ذلك بكل الطرق والوسائل، بل أن أفهمك.. الثقافة هي أن «أعرض رأيي ولا أفرضه» كما يقول د. عبد الله الغذامي.. الثقافة لا تعلِّم أهلها العُجْب والتبجُّح بقدر ما تعلِّمهم التواضع.. وحدهم المثقفون الحقيقيون من يوقنون أنهم كلما عرفوا الكثير كان الأكثر في انتظارهم! ما جدوى الثقافة لو بقيت مجرد فكرة جامدة مستقرة في العقل؟ متى يُكتب لها أن تتحول من كلمة يستهلكها القلب ويلوكها اللسان إلى سلوك تعمل به الجوارح؟ هل من الممكن أن تصبح أفعال المثقف في مجتمعاتنا ترجماناً لأقواله؟ وكيف بإمكان الثقافة أن تتجاوز وضعها المُعلَّب في الأذهان مستحيلةً إلى نمط حياة للفرد ثم الأسرة، وبالتالي المجتمع ككل؟ في الحقيقة، لستُ هنا بصدد لوم أو اتهام أو مهاجمة جيل اليوم أو جيل الآباء كما قد يظن البعض، إنما أحاول أن أطرح تساؤلات مُلِحَّة بحاجة إلى من يجيب عنها في الغد القريب.
#بلا_حدود