الثلاثاء - 15 يونيو 2021
الثلاثاء - 15 يونيو 2021

القتلة .. والتلوث البيئي

من الأسئلة المحيرة ونحن نرى حجم الرعب الذي نعيشه اليوم من جراء عمليات القتل والتخريب والتحريض والانتقام واستسهال قطع الرؤوس وقصف المدنيين الأبرياء وتشريدهم واغتصاب حقوقهم والتشفي بعذاباتهم والإمعان في إذلالهم: من وراء هذا كله؟! الإجابة مبدئياً سهلة وبسيطة: هم بشر مثلنا .. هم بالتأكيد ليسوا كائنات فضائية أو شيطانية أو من سلالات تختلف في تركيبها الجيني عنا.. لكنها إجابة ناقصة، فسرعان ما سيليها سؤال آخر: طالما كان الأمر كذلك فلماذا لم يكن جميع البشر قتلة مثلهم؟.. الأمر حتماً لا يرتبط بنوعية الغذاء الذي يتناولونه، ولا بظروف مناخية معينة، ولا بفيروسات خاصة تعطل لديهم مراكز الضمير أو العقل أو الحس الإنساني، ولا بتلوث بيئي يتعرضون له، ولا بقوى خفية تسيطر عليهم من حيث لا يشعرون، فتحولهم إلى أدوات تنفذ ولا تفكر .. كل تلك الأسباب عوامل مستبعدة تماماً.. يبقى فقط عامل الثقافة. العامل الأخطر والأكثر حساسية وتأثيراً. العامل الذي يغير من العمق، فيشكّل، ويكوّن، ويوجّه، ويحرّك، ويقود.. ما من شك في أننا نواجه مشكلة حقيقية تتعلق بالثقافة السائدة والمهيمنة، وهذه المشكلة هي التي أنتجت في مجتمعاتنا هذا القدر المخيف من التطرف والعنف والميل إلى تدمير الآخر وإلغائه وعدم الاعتراف بأي حق من حقوقه مهما كان بسيطاً ومتواضعاً بما في ذلك حقه في الحياة .. مجرد الحياة.. ولنسأل أنفسنا: هؤلاء القتلة ألم يكونوا أطفالاً في يوم من الأيام؟.. لقد مر كل منهم بمرحلة الطفولة.. الطفولة التي تعني البراءة والأمل وبداية الحياة .. فما الذي جعلهم إذاً قتلة على هذا النحو الممعن في الدموية والأنانية؟.. ملايين من الأطفال يعيشون بيننا. نراهم. ونبتسم لهم. وترف قلوبنا لضحكاتهم. ويعتصرنا الألم إذا ما تهددهم أي خطر. ولكن .. ما الذي يضمن لنا أنهم لن يكونوا مستقبلاً جزءاً من منظومة العنف والتطرف التي باتت تنغص علينا حياتنا؟.. مشكلتنا الحقيقية إذاً تكمن في هشاشة الحالة الثقافية السائدة، وفي تناقضاتها، وفي فوضاها، وفي ارتهانها لأطراف وقوى غير مؤهلة، لكنها نافذة للأسف بفعل المال، أو السلاح، أو السلطة، أو سواها.. الأمر ببساطة أننا كي نضمن ألا يتحول أطفالنا إلى قتلة بحاجة لإعادة النظر في السياسات الثقافية لا سيما في المستويين: التعليم والإعلام .. والأمر ليس مطلباً بقدر ما هو ضرورة. فالقتلة هم نتاج تعليم سيئ لا يهتم بالجانب الروحي والفكري والأخلاقي للإنسان، وإذا اهتم فبطريقة تعلي من شأن الخرافة أو الغريزة أكثر من اهتمامها بالعلم والحقيقة .. وهم كذلك نتاج إعلام منفلت تحكمه مشاريع وأجندات لا تتوافق مع قيم العصر، وتسيره الشائعات والأوهام والأكاذيب والسعي لكسب الجمهور مهما كان الثمن باهظاً ومؤلماً.. سيول الدماء لم تأت من فراغ .. هي من هذه الأرض .. وما لم نعمل على تجفيف منابعها، الثقافية خصوصاً، فسنكون أمام كارثة قد لا ننجو منها.
#بلا_حدود