السبت - 19 يونيو 2021
السبت - 19 يونيو 2021

داعش والغبراء (2)

حاولت في الحلقة الماضية أن أسلط الضوء على واحدة من المشاكل الأساسية التي تفتك بالعلاقات البينية، سواء على المستوى الفردي أو الجماعي؛ وهي الجهل بمبادئ الحوار وفنونه. ولعلي استطعت أن أضع يدي على الجرح النازف والألم المزمن، وبقي أن نتعرف إلى الأسباب مع شيء من الأفكار حول سبل الحل والتداوي. وقبل البدء أود أن أعرّف القراء بمصطلح ذكرته في عنوان المقال وكررته في متنه، وهو مصطلح «داعش»! قد تجدون هذا مستغرباً، ولكن لدي سببان سأذكرهما بعد التعريف. «داعش» أيها الأعزاء مصطلح محدث وهو اختصار لمسمى تنظيم قتالي يدّعي الإسلام وارتكب الكثير من الفظائع، وقد ظهر في العراق نتيجة الغزو الأمريكي لها عام 2003 للميلاد، وبرز بشكل أكبر بعد توسعها في سوريا بعد عام 2012 إبان الثورة السورية أو ما عرف بالربيع العربي. وأما سببي للتعريف فلأن المقال قد يقرأه بعد عقد من الزمان من لم يشهد هذا التاريخ. ثم لأن الأقوياء الذين يكتبون الأحداث سوف ينسوننا هذه الفزاعة ـ بعد أن تؤدي دورها ـ وسيشغلوننا بفزاعات أخرى، وما تنظيم «القاعدة» عنا ببعيد. أكتفي بهذا التعريف وأعود لموضوع اليوم. من أول أسباب إخفاقنا في حواراتنا ضمن مجتمعاتنا العربية هو عدم القدرة على التعايش مع المخالفين والمختلفين عنا نتيجة لعدم قناعتنا الحقيقية بحتمية الاختلاف والتنوع، على الرغم من علمنا به، والله تعالى يقول: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ). والسبب الثاني هو الجنوح الزائف إلى الكمال مما يجعلنا نطلبه فيمن حولنا، ولا نطيق رؤية النقص، وكما قلت فهذا ادعاء زائف، وإلا فمن ينكر أننا كبشر مجبولون على النقص والخطأ، لذا فإن الخيرية ليست فيمن لا يخطئ بل فيمن يسارع بالتوبة، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: «كل ابن آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون». والسبب الثالث متعلق بالاستعجال وقلة الأناة، وهذا يسبب الكثير من الحرج، فالأحكام المتعجلة غالباً ما تكون خاطئة وتدل على خفة العقل والحماقة، بل وصمها القرآن بالفسق، (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ)، ولما أراد صلى الله عليه وسلم مدح المنذر بن الأشج العصري سيد عبدالقيس قال له «إِنَّ فِيكَ خَصْلَتَيْنِ يُحِبُّهُمَا اللهُ: الْحِلْمُ، وَالأَنَاةُ». والسبب الرابع استسلامنا لانطباعاتنا المسبقة عن الأشخاص، فنفسر كل ما يبدر منهم وفقاً لسوء ظننا بهم، فنرتاب ونتهم ونتهجم ولا نرى الحقيقة المجردة. والسبب الخامس هو عدم إتقان فن الانصات أثناء التحاور. قد يرد البعض أن هذا غير صحيح، وإفساح المجال للمتحاور بالحديث دلالة على إنصاتنا له!. وأعتقد أن أغلبنا يستغل الفسحة الممنوحة للمحاور لتجهيز الرد عليه وإفحامه، ولكن هل هذا يعد من الإنصات؟ والجواب: لا، إنما هذا قد يسمى استماعاً في وجه من الوجوه، ولكنه بالتأكيد لا يمكن أن يكون إنصاتاً، لأن الإنصات هو أن تصغى لخصمك أو محاورك بنية فهمك له ومحاولة تمحيص الحقيقة والصواب. فكم منا يفعل ذلك. والسبب السادس متعلق بعجزنا عن بذل الأعذار لمن يخالفنا، فلو أننا اتبعنا الشرع الرباني لما حملنا في صدورنا غلاً لأحد! فكيف بالله عليكم لقلب أن يحمل غلاً وهو يجهد فكره في استخراج الأعذار؟ وهذا التابعي ابن سيرين يقول: «إذا بلغك عن أخيك شيء فالتمس له عذراً، فإن لم تجد له عذراً فقل لعل له»، وقد روي عن عمر (رضي الله عنه) أنه قال: «لا تظن بكلمة صدرت من أخيك شراً وأنت تجد لها في الخير محملاً». ومن الأسباب كذلك؛ عدم احترام حرية إبداء الرأي والاعتقاد الملتزم بنطاق الأدب واحترام حريات الآخرين، فكما قيل: حريتك تنتهي حيث تبدأ حرية غيرك، لذا نسعى لإلزام الغير بسقف حريتنا المنخفض ونجعله من المسلمات. السعيد ـ أيها السادة ـ من اتعظ بغيره والشقي هو من اتعظ بنفسه، فهل نتعظ بما عاناه الأوربيون من ويلات الحروب التي نشبت فيما بينهم خلال القرون الماضية بسبب الاختلافات العرقية والإثنية، وراح ضحيتها الملايين من البشر، وفي النهاية لم يجدوا حلاً أفضل من الحوار الهادئ والوحدة والتكتل، أم أنه لا بد من أن نتجرع الكأس ذاته، ونمر بالدورة المؤلمة ذاتها، ونخوض في بحار الدماء حتى نصل إلى النتيجة عينها في آخر المطاف؟ وأختم برجاء أرجوه من كل قلبي بأن نتخلى عن الصراخ والضجيج في الحوار والتعامل، فما وجدت أمة متقدمة حضارياً يسودها الغوغاء والصوت العالي، وهذا مقياس أقدمه لقرائي الأعزاء، ولكم أن تقيسوا بها الأمم من حولكم وأترك الحكم لكم بعد ذلك. وحتى نلتقي مجدداً، كونوا بخير. [email protected]
#بلا_حدود