الأربعاء - 23 يونيو 2021
الأربعاء - 23 يونيو 2021

القاعدة التي لا تفشل كثيراً (3)

من الجيد أن تقبل «أفضل» ما هو مطروح علمياً، على الرغم من عدم بديهيته أحياناً أو بعض الثغرات فيه، كما أنه من الخطأ لوم سلوك تبنيه من قبل العامة والدارسين، مادام ثمة من يتبنى هذا الطرح أو ذاك من العلماء المعتبرين كونه الوحيد المطروح في الميدان ولم يأت ما ينقضه أو يقوي توكيده بعد، والأهم كونه يعمل، لكن في المقابل فلا بد من فتح الذهن لكل تفسير قادم، والاستعداد لما قد يزحزح القديم، الدفاع المطلق عن تصور علمي قد يجعله حائطاً نهائياً لكل تفكير. إن العلماء حذرون أكثر من اللازم في إعطاء تصورات علمية مطلقة، وهذه هي ميزة العلم، ولو تم إغلاق منافذه بطريقة الدفاع المحموم عن تجربة ذهنية ما لسد الطريق وأعاق الوصول للمسار الصحيح. العلماء وإن كانوا قد أخذوا هذا التفسير «الاحتمالية في ميكانيكا الكم» وبنوا عليه بعض الصناعات والاختراعات مثل الليزر إلا أنهم لا يتصالحون مع ما يجعلهم في حالة عدم يقين، يذكرهم الأمر بما حدث مع كوبرنيكوس قبل أن يطل برأيه على العالم، كانت الفكرة السائدة هي مركزية الأرض للنظام الشمسي، وقد وثق الناس بهذا النموذج لأنه كان يعمل، وتمكن علماء الفلك من التنبؤ الدقيق بمسارات الكواكب والنجوم بناء على هذا النموذج، لكن علة هذا النموذج هو أنه غير دقيق أصلاً وإن أدى لأمر دقيق، فإن كان النموذج العلمي القائم لدينا يسمح لنا بإنشاء تنبؤات وتصورات سليمة عليه، فلا يعني أنه صحيح بناء على «حجة النجاح العملي» وحدها، أو حجة نقص المعرفة البشرية وبالتالي فهذا مبلغ ما سنصل إليه. الدفاع عن مثل هذه التفسيرات ورفض أي طريق سواها يقيم حدوداً للمعرفة لا ترضي نهَم العلماء، الأسئلة العميقة والمحيرة ليست في ميكانيكا الكم فحسب بل في كل فروع العلم، وهي لا تتطلب حشو فراغها بأي شيء لمجرد ألا تبقى فارغة، ومن هنا ظهرت مبادئ الشك في المعلومة المتاحة، ليس الشك المتطرف بل الشك المعتدل الذي لا ينفي صحتها كلياً، إنما لا تصل بنا إلى حد التأكيد المطلق على أنها تمثيل صادق للواقع، فهناك مثلاً الكثير مما يمكننا الاستناد عليه باعتباره مسلمة أو بديهة لانعدام البديل أو لأنه مفيد، إنما وقوعه تحت النظر باستمرار أمر مثالي علمياً. العلم لا يحتكر الحقيقة ولا يوزع تصوراته بإطلاق وشمولية، ولهذا كان المجال مفتوحاً أمام شُبه العلم والافتراضات والشكوك للدخول والدوران بفلكه، ثم إن محركات البحث لا توصل دوماً للمصداقية، والاستناد الوحيد عليها ليس فقط لإثبات وجهة نظر أو رأي علمي، وإنما للدفاع المحموم والتهجمي بناء عليها، يوقع في حرج وعبث ومغالطات كثيرة.
#بلا_حدود