الأربعاء - 23 يونيو 2021
الأربعاء - 23 يونيو 2021

مفردة ضائعة

في ملخص تحليله لتواريخ المجتمعات المدنية، يلتقط المفكر والكاتب الإيرلندي الأصل آدم فيرغسون، إشارة مهمة حول علاقة الكائنات الجدلية بالسعادة وموقعها من الفرد في مجتمع متشعب، ليقول «نظن أن سعادتنا في مواضيع يتنازع عليها زملاؤنا من البشر، ننخرط في مَشاهد المنافسة والحسد، والكراهية والعداء والثأر، التي تؤدي إلى أعلى درجات الألم والأسى، وباختصار نقول نحن نتصرف كما لو أننا نريد الحفاظ على نفوسنا في حين نستبقي ضعفنا ونديم آلامنا». فالفكرة المرادة هنا هي أن إصرار الأفراد على تخيل سعادة جمعية واحدة تجعل السعي وراءها مجموعة من الحفر التي يوقع فيها كلٌّ الآخر من أجل أن يصل إلى تلك الغاية المشتهاة التي ستبرر له غاية وجوده .. ولكن هل يكون لك وجود حقيقي قائم على إلغاء وجود الآخر؟ يتحدث كُثر عن معاناتهم في سبيل الوصول إلى السعادة، ويلخصون السعادة في الكثير من التفاصيل التي قد تكون في عمقها مجرد اقتباسات لفكرة السعادة المرتبطة بآخرين .. سعادة لا تنبع من ذات واعية لما تحتاج إليه هي في سعيها الخاص، مما يحوّل تلك المفردة مع الوقت إلى أشياء لا قيمة لها، يتناسخها الأشخاص في سبيل السعادة الهشة تلك .. ويشمل الأمر كذلك كل تجربة قد تبدأ خاصة بإنسان، لأنه يجد شغفه الحقيقي فيها، لتجارب ممسوخة يحاول فيها الآخرون محاكاة شغفه ذاك بطريقة لا تتماس مع حاجاتهم الحقيقية. قد يكون صحيحاً أن سبيل بحثك عن ذاتك لا يكون منفصلاً بدرجة ما عن الآخرين والمحيط الذي يوجد فيه أولئك الآخرون، إلا أن ذلك لا يعني أن هناك محطات كثيرة وكبيرة من الصمت والوحدة التي يجب أن تعيشها لتدرك معها أن السبل البراقة، على الرغم من إغرائها المبني على التشابه في السطوع، إلا أنها في حال عبرْتها أنت بتأمل مدرك، فإنك بالتأكيد ستلمح كون الأمر هنا يحتاج منك النضج الذي يأخذك لتعرف أن اختلافك، ليس ترديداً لما يتناقله الآخرون حول الاختلاف، وأن شغفك يجب ألا يكون مثالاً آخر عن قائمة الاهتمامات التي يتناولها من حولك بقدر ما يجب أن يمنحك ما تقوم به من عمل أو ما تشكوه من طريق تلك الرغبة الحثيثة بالاستمرار بالمواصلة .. فهناك تماماً تكمن نواة سعادتك الخاصة المفردة التي تضيع فيها المشتبهات. هناك الذي يلوم الآخر دائماً على تصرفاته .. دائماً هناك آخر يحمله مسؤولية ما يقع متغنياً بطيبة قلبه ورهافة شعوره أمام خذلان الآخر الذي ظنه مرادفاً لسعادته .. ومحملاً إياه كما أشار فيرغسون ما ينتابه من أسى ومن كرب .. إلا أن جزءاً من قيمتك الإنسانية لا يكون في سذاجة الرهافة تلك بقدر ما هو إدراك مرهف لما يعتمل في داخلك أنت أولاً .. الرهافة التي تبدأ مع الأسئلة التي تطرحها على نفسك مثل: «هل يجدر بما يجعل الآخرون سعداء أن يجعلني أنا كذلك بالضرورة؟»، «ما فائدة أن أحيط نفسي بهذا الكم من صخب المتغنين بالسعادة الآنية واللحظات البراقة إن لم أكن أعي ذلك في قرارة نفسي وأثمنه؟»، «لماذا تكون السعادة مرتبطة بوصول ما، بدلاً من أن تكون استمراراً لرحلة تأتي نتائجها بالتراكم؟». في الوقت التي تلتبس فيه مفاهيم ومفردات كثيرة، ومنها تلك المتعلقة بما يجعل الإنسان فرحاً .. مبتهجاً أو سعيداً، لعلنا قد ندرك أيضاً أن أصل هذا الالتباس يكمن في محاولة فرض وجهة نظر أحادية حول كل شيء في الحياة بوعي أو من دونه. إن من شأن تطرف كهذا أن يتضخم حتى يطال كل الأشكال أو الأشياء التي قد تجعل من الحياة مكاناً محتملاً قدر الإمكان .. وما يزيد من ذلك التطرف، هو محاولتك لأن تكون سعيداً ضمن النسق العام، مقولباً نفسك مع تلك النظرة الأحادية التي تتعامل مع ما حولها بأنانية، مغذياً بذلك أنانيتك الخاصة التي ستتحول مع الوقت إلى جشع يرغب في المزيد من كل ما هو هش على حساب ما هو حقيقي .. إنك تدخل بإرادتك الفقاعة الهوائية التي ستتحول مع الوقت إلى سجنك .. حيث الوقت الضائع والسعادة التائهة والآخر المفقود. [email protected]
#بلا_حدود