السبت - 19 يونيو 2021
السبت - 19 يونيو 2021

صراع ..!

في حياة كل كاتب لحظات صعبة، ومن أكثرها صعوبة حين يجف نبع الكلمات، حين تنقطع حبال الوصل تلك الحمّالة لمغزى وجوده. يبحث عنها في دفاتر مخزونة في الذاكرة، لكنها تعانده وترفض المثول بين يديه. تتعزز وتختفي بعيداً، تتركه محرجاً أمام أفكاره التي تضغط عليه بدورها. يجد نفسه مضطراً للتعبير عن فكرة ما، التجربة تُلحّ عليه أن يكتب ويحدد موقفه مما يجري أمامه، لكن الكلمة تشاكسه وتعانده، ولا يجد إلى ما يرجوه سبيلاً. أما أسعد الأوقات عنده وأثمنها، فهو حين تنهال الكلمات عليه بيسر وسلاسة، وكأن السماء فتحت أبوابها بمصراعيها تقول له: اختر ما تريد فأنا ملك يديك. انتقِ الكلمات واصنع نسيجك الملائم لأفكارك، ألبسها ما يحلو لك، ارفع قدرها أو انزل بها أسفل سافلين، حقول الكلمات بيادر قمح أمامك والخيار لك. تلك فرحة لا يستطيع أحد معرفة روعتها إلا من عاش تجربة كتابة حقيقية. المعركة بين الكاتب وأفكاره معركة خطيرة، خصوصاً حين يكون مضطراً للكتابة في أزمنة التحولات الكبرى، وذلك صراع من نوع آخر، الأحداث تتسارع بأزمنتها اللاهثة بجنون، والأماكن تتبدل وخرائط تنمسح وتتجدد، ابتكارات كثيرة لا حصر لها، واختراعات غريبة لا يحيط بها العقل وأسماء أشخاص ودول وسياسيين واجتماعيين وممثلين ومطربين وفنانين وعلماء وأطفال وعقاقير وأمراض، وأشياء أخرى لا أجد لها كلمات تسعفني، وأنا في حضرة الكلمات. كم هي خطيرة لعبة الكلمات. فكل الكلمات التي يعرفها أقل بكثير مما يريد قوله، أو ما يتمنى قوله، ينبهر بما يدور حوله، لكن حافزاً لمتابعة الحدث يشده تارة نحو التريّث والتفكر بما يجري، وتارة أخرى يقفز به ضميره ورغبته في تسجيل موقفه تارة أخرى ليبحث عن الكلمات. تدفعه أقلامه وإحساسه بذاته إلى الوقوف أمام كل ما يجري، ومتابعته عن كثب ليكتب أو حتى ليفهم. لكن الأصابع ترتعش، وتتشبث بإصرار لتجد الكلمات، لتسجل موقفه من الحياة ورأيه في ما يدور حوله. ويبقى يعاني ويتأرجح بين الفكرة والحدث والكلمة. أما البحث عن التفرد، فذلك تحدٍّ آخر. فالموهبة كما الأمانة تُحتّم على الكاتب الذي يحترم قلمه وقراءه ومتابعيه، أن يخدم القضايا الإنسانية العظيمة، أن يترفع عن الصغائر وسفاسف الأمور. ألا يقلد الآخرين ولا يسرق أفكارهم، لأنه حين يكرر كلام الآخرين وأفكارهم يضيع في بحر الكلمات وزخمها، وتتساوى حالته هنا مع حالته عند ضياع الكلمات وتعززها عليه. فالتقليد جفاف، وعليه أن يلتزم الصدق ما استطاع، والحيادية ما أمكن، فلا يكن قلمه خادماً لأجندات غيره. أن يُبيّن الخير ويبيّن الشر للناس بلغة واضحة وكلمات راقية لا لبس فيها. ويبقى في منطقة الوسط. أن يتميز عن غيره من الكتّاب الكثر الذين يحيطون به. أن يشق لنفسه طريقاً مميزاً. فالكلمة تصنع حياة أو تهدمها. لكم أن تتصوروا حجم المعاناة التي يعيشها من يشتغل بالكلمات، صراع من أجل وجود الفكرة والكلمة، ومن أجل التفرد بهما، صراع من أجل ملاحقة الأحداث وفهمها والكتابة عنها، صراع من أجل متابعة المستجدات وربطها ببعضها. صراع في التزام الصدق والحيادية والأمانة والجدّة والطرافة. قد تكون هذه الصراعات صراعات قديمة عرفها كل الكتاب على مر العصور، لكن الزمن الحاضر ولّد صراعاً جديداً وتحديّاً آخرَ للكُتّاب لا أظن أنهم في زمن ماضٍ عرفوه بالصورة نفسها، ألا وهو التسويق الإعلامي، فالكاتب اليوم مطالب بأن يروج لنفسه إعلامياً، أن يُسوّق كلماته وأفكاره. أن يجري خلف الآخرين ليثبت وجوده. أن ينخرط في وسائل التواصل الاجتماعي، أن يكتب عن نفسه وإنجازاته، ويسجل صوره ونشاطاته فيسبوكياً وتويترياً، أن يسجل رأيه بسرعة في كل ما يجري حوله من أحداث في حال استطاع ملاحقتها. أن يكون نشيطاً وفاعلاً ومشاركاً في بناء العالم الافتراضي. لأن بناة هذا العالم في النهاية أصبحوا جميعاً كتّاباً، أن يخطف لنفسه مكاناً، أن يخلق جيش معجبين ومعجبات. أليست هذه صعوبة كبيرة تواجه الكتّاب اليوم؟! قد يتطابق هذا مع عصر الصورة والشكل الذي نعيشه، ومن ثمّ يتلاءم مع بهرجة الألفاظ التي نشهدها، لكنه يتناقض بالتأكيد مع قيمة الأفكار وعظمها، هو تراجع للمضمون أمام سلطة الشكل التي تسيطر على العصر، ولم يسلم من لوثتها إلا من ندر. [email protected]
#بلا_حدود