الاثنين - 14 يونيو 2021
الاثنين - 14 يونيو 2021

الإرهاب .. لم يسلم منه الأحياء والأموات

هناك شرذمة تصدّروا المشهد في التدمير الممنهج للمساجد والصروح الدينيّة التاريخية، وعملوا على تعميق الفتنة بين الفئات الدينية والطوائف الأخرى. تنظيم «داعش» يحاول تكريس سياسة الفصل المناطقية والعرقية والطائفية، وقام مسلحوه بتدمير مواقع دينية وتاريخية عدة، ضمت أضرحة مقدسة عند السنة والشيعة، وهؤلاء الذين سيطر على عقولهم الغلو والجمود والعجب فجروا قبل فترة قريبة مقام الإمام النووي في سوريا، بعد زراعة عبوات ناسفة داخل المقام، ليتباكى أهل المدينة على رمز طالما تفاخروا به، فالمقام كان رمزاً ملهماً ومقدّساً، واحترامه توارثه الخلف من أبناء المدينة. والفعل واحد من ضمن سلسلة تفجير الأضرحة التي تفيض عدوانيّة واستهانة بمكانةِ الأنبياء والأمة ومقامِ الصالحين، كتفجير مقام النبي أيوب في مدينة الشيخ سعد، وأضرحة النبي يونس ودانيال وشيت التاريخية. في سياق ردود الفعل على تدمير المساجد وتفجير الأضرحة، استنكرت ونددت واستهجنت عدد من الهيئات والمرجعيات السنيّة هذه الجريمة، ولامست أسماعهم الكثير، لكن لم تلامس نخوة العروبة وقيم الإسلام الصحيح في التصدي لهذه الظاهرة. ساءني ما حصل لهذه القامة والصرح المشيد من العلم ألا يكرم في مرقده، هل هذا جزاء الإمام النَّوويّ صاحب أكثرِ كُتُبِ العِلمِ انتشاراً في عَالَمِ المُسلمين؟ ومازالت الأمة تنتفع منه من خلال تصانيف كثيرة وجليلة منها: «شرح صحيح مسلم»، و«رياض الصالحين»، و«المنهاج»، و«المجموع شرح المهذب» في فقه الشافعية، و«التبيان في آداب حملة القرآن» وغيرها. إن هناك حرباً متعمّدة لا هوادة فيها لتدمير التراث الثقافي وطمس بعض معالم العراق وسوريا العريقة، وتتعارض كل هذه الممارسات مع كل المبادئ والقواعد الأخلاقية والقيم السماوية والإنسانية، ومع أهمية هذا الموروث التاريخي لهذه المدينة الثرية بتراثها ومكانتها في قلوب المسلمين بكل مللهم وأطيافهم. إنّهم بهذه الفعلة النكراء جرحوا مشاعر كثير من المسلمين في أنحاء العالم، واستهزؤوا بمكانة الأموات في قلوب المسلمين من أولي العزم من الرسل والصالحين منهم وحسن أولئك رفيقاً، وما يحدث دليل صريح وفاضح على أن العقول الإنسانية قد تتحول بالغلو إلى أقبية مغلقة معتمة، حيث تم شحن العقول وتكبيلها بمفاهيم وأفكار بعيدة عن الفطرة السليمة، وتخالف المنهج النبوي القويم، وتتعارض مع إيقاع العصر والتطور. وأوضح بيان عن داعش أن «هدم الأبنية على القبور من الأمور الدينية الظاهرة، وعلى هذا كان عمل السلف الصالح قديماً وحديثاً، فلا نزاع في مشروعية هذا الهدم والإزالة والتسوية لهذه القبور والمشاهد». في هذه العجالة لا تراودني الرغبة في أن أدحض الحجة بالبرهان الفقهي، بل بالعقل والمنطق المغيب عند تلك الثلة التي تدّعي أنها تحمل الإسلام النقي، حيث هدم الأبنية على القبور إذا كان من المظاهر الدينية وكان السلف الصالح يجوزونها، إذاً لماذا بقيت هذه المعالم موجودة منذ قرون ولم يقوموا بهدمها أو نبش الأموات من هذه المساجد؟ ألا يوجد فيهم رجل رشيد يصحح معتقداتهم كما يدعون؟ هذه الرموز الأثرية والقبور أصبحت بعد طمسها شاهدة الآن على مكان المأساة؟ أم أنهم أعلم بمعتقداتهم من الله، أم هم أكثر فهماً وفقهاً لحدود ما أنزل الله؟ وعلى غرار المذاهب الأربعة التي تحرّم اتّخاذ القبور مساجد، إذاً أين هم أتباع هذه المذاهب والعلماء الأقحاح طيلة هذه القرون الغابرة؟ هل كانوا في سبات أم كانوا غافلين؟ أما تدل هذه المعالم التاريخية على أن الإرهابيين أكثر جهلاً وغلوّاً في الدين ممن سبقهم من الخوارج وأزلامهم؟ وكل من عبر وحافظ على التراث الإنساني والإسلامي من فقهاء المذاهب كان على الأقل أكثر رقيّاً وفهماً للدين، فقد سلمت قبور الأنبياء والصالحين، ولم يطل الأذى الأموات طيلة هذه الفترة، فما بالكم أيها المتطرفون بما اقترفته أيديكم من حرق وتخريب لبيوت أذن الله لها أن ترفع ويذكر فيها اسمه؟ هل الطريق الأمثل في إكرام الميت هتك حرمته بالعبوات الناسفة؟ وهل يقربكم تفجير وتفخيخ هذه الأضرحة إلى الله زلفى؟ بل أنتم للأسف أجدر ألا تعلموا حدود ما أنزل الله! [email protected]
#بلا_حدود