الاثنين - 21 يونيو 2021
الاثنين - 21 يونيو 2021

النهوض كان أبلغ رد

حكى المثقف أحمد بهاء الدين موقفاً حدث له مرة مطلع حياته المهنية، حين التقى بالملحق الصحافي الشاب في سفارة اليابان بالقاهرة، وقد عرف منه بالصدفة أنه يواظب على حضور دروس اللغة العربية في إحدى مدارس الحي، وهذا ما أدهشه، فثمة وسائل أخرى كثيرة وأسهل بإمكان هذا الشاب الياباني أن يتلقى دروس اللغة العربية من خلالها، لكن الشاب أخبره بأنه بصدد تولي مهمة شاقة وعميقة في مقبل الأيام. صحيح أنه ملحق صحافي بالسفارة، ولكن تم ابتعاثه لشأن آخر أيضاً، وهو ترجمة مقدمة ابن خلدون في علم الاجتماع ترجمة دقيقة ووافية للغة اليابانية، حتى تصبح مرجعاً متاحاً لأي دارس ياباني أو مهتم بعلم الاجتماع. كان ذلك في الفترة التي أعقبت الكارثة النووية التي حلت باليابان، ولم تكن قد تجاوزت معظم آثارها بعد. يومها أدرك أحمد بهاء الدين سر النهضة اليابانية المتسارعة التي تلت ذلك، وأفصحت عن ذاتها باختصاص وفرادة لها العجب، فاليابان لم تكتف فحسب بوجهات نظر بعض الكتاب العالميين عن تلك المقدمة، ولم تأخذ عن الترجمات الإنجليزية، لكنها تفوض من يستغرق في دراسة اللغة العربية حد الإجادة والشغف كي ينقل المقدمة صافية ومتكاملة لشعب اليابان. الأمر ليس مجرد تقليعة وتقليد أو ترف شكلاني، لقد رغبوا في المعرفة على درجة من العمق والتوسع في التفاصيل والعموميات، والقدرة على استيلاد أفكار تنظيمية وعلمية جديدة من الأفكار الموروثة، بعدما حل ببلدهم من خراب وتدهور أدى لتوقعات سخية عن محالات وتناقضات ستقابل هذا البلد وعجز عن إنقاذ ما تبقى منها، لكن اليابان استردت أنفاسها وقامت تصافح العالم الصديق والعدو لتلتقط ما في يده، لقد ضحت بحقها في رد الاعتبار الفوري في سبيل بلوغ رد اعتبار أقسى وأقوى، القيام بعد العثرة المؤسفة. رغم أن مأساة اليابان كانت لا تزال طرية في الذاكرة، لكن الذهن لم يتكلس ولم ترتخ الهمة، ولم تجعل هذا عذراً للتأخر رغم جدواه، هذه مجتمعات تعلمت كيف تبني ذاتها داخلياً، وتحدث تحسينات ناحية القيم والمؤسسات والنظم والعلم، وتجابه تحدياتها على قدر حدودها أولاً، وبالتالي تغيّر المعادلة وتصعّد من قدرها حتى بالنسبة لوضعها الخارجي. إنها تتبع استراتيجيات التغيير المهمة والانتقالات المفصلية، وتتزود بما لدى الآخر بغض النظر عن طبيعة هذا الآخر، ليست ترجمة مقدمة ابن خلدون إلا جزءاً طبقت عليه هذه الوسائل التي تضمنت الصناعات العادية والدقيقة، واصطنعت أسلوبها التقدمي الخاص. لن يفوت أحد أن يلاحظ أن هذا الجهد الخارق كان نتيجة لقرار اليابان الابتعاد عن هذا المستنقع الذي زلقت فيه لتجفيفه، وليس بالتخبط فيه ولوم الغير. شرعت اليابان بالتفكير بطريقة استقصائية وعلمية وإيجابية بدلاً من التنافس على قشور وتوافه عقب قوى التحطيم وشل القدرات، وسعت لنيل الاستقلالية المعرفية والاقتصادية لتحقيق وجودها الأمثل، وهكذا كانت.
#بلا_حدود