الاثنين - 21 يونيو 2021
الاثنين - 21 يونيو 2021

رحل عبدالله وعرشه في قلوبنا

رحل الملك العظيم عبدالله بن عبدالعزيز آل سعود صباح الجمعة 23 يناير سنة 2015، وحل الحزن والحداد مختلف بلاد العرب، من مشرقها إلى مغربها، من مؤسساتها إلى شوارعها .. صدق الرئيس الجزائري حين وصفه في بيان رثائه بأنه الملك الذي أقام في كل قلب عربي ومسلم عرش محبة! عبدالله بن عبدالعزيز من هذا الصنف من العظماء الذين يجمعون ولا يطرحون، الذين يبنون عروشهم في القلوب والعقول، بذكاء فطري كان والده الملك المؤسس عبدالعزيز آل سعود نموذجاً له، كما كان آخرون كالشيخ زايد بن سلطان آل نهيان وشقيقيه فيصل وفهد رحمهم الله جميعاً! بنوا الدول وصاغوا المواقف واحترموا الآخرين وعلت بإخلاصهم أبراج البناء..! هذا الصنف من الرجال رجال الدولة هو الأهم في اللحظات الصعبة من تاريخ الأمم، كما قال هنري كيسنجر في أحد كتبه.. رحل عبدالله بن عبدالعزيز بعد أن أثبت أنه رجل المواقف الكبيرة، رجل المصارحة والمصالحة كما دعا في القمة العربية .. ليس فقط في اتفاق الرياض الأخير عام 2014 وعودة العلاقات الخليجية لسابق عهدها، ولكن قبل ذلك بكثير فقد كانت دعوته ومبادرته في الكويت عام 2010 لا تنسى .. رجل المبادرات الجسورة، فهو صاحب المبادرة العربية في قمة بيروت عام 2002، تلك المبادرة التي ما زالت تحرج إسرائيل كحل يمكن أن يقبله العرب! وعلى المستوى الداخلي نالت المرأة في عهد عبدالله بن عبدالعزيز مكانتها في العديد من المؤسسات وفي مجلس الشورى وفي حق التصويت، وسعى في غيرها، واحترم تعليمها فكانت جزءاً من صرحه الجامعي، جامعة الملك عبدالله للعلوم والتكنولوجيا، ولم يقبل تحفظ المتشددين في تحريم الاختلاط فيها، كما أنه رجل حوار الأديان وأسس في هذا مركزه الذي توالت أنشطته ودعواته، مؤكداً على سلامة وبراءة هذا الدين من انحرافات التطرف والإرهاب..! هو الرجل الذي اتسق مع مبادئه حين واجه القذافي المستبد، وهو ما يزال ولياً للعهد، بصراحة وشموخ عربي رافضاً اتهاماته المؤدلجة الفارغة عام 2003، حين أبت نفسه الأبية ودواخله الصادقة اتهاماته ورد له الصاع صاعين، فلم يجد هذا المستبد إلا العمل في الخفاء لاغتياله. إنه عبدالله بن عبدالعزيز الرجل الذي قال عقب 30 يونيو إن مصر في قلوبنا وأي استهداف لها هو استهداف لنا! ووقف وقفة رجال لا يقوم بها إلا الرجال! وتوحد الموقف الخليجي تحت قيادته وأبنائه وإخوانه في الإمارات والكويت والبحرين..! شاهدناه أخيراً مرتين، مرة حين استنفر العلماء أن يفضوا عنهم الكسل وأن يبرزوا في ميدان الحِجاج ونقد التطرف، في أغسطس سنة 2014، وشاهدناه مرة أخرى يبتسم للطفل ويحتضنه ويعطيه بعض خاصته، قلماً يملكه الملك يعطيه للطفل بحنو الأب السعيد بأبنائه، ويعطيهم روحه وقلبه! بثت بعض وسائل الإعلام حديثاً لطبيبه الخاص الذي كان يعمل معه منذ أكثر من ثلاثين عاماً، وكيف كان الاحترام والتقدير سمته، حدثني أحد كبار المثقفين المغاربة التقاه مرتين كيف كان يعتذر لعدم قدرته عن الوقوف، وكيف كان يحتضن ضيفه بابتسامته وإجلاله وكرمه..! هو الرجل الذي تبرع للمنكوبين في الموصل بعد غزو الإرهاب الداعشي لها في 29 يونيو الماضي، واشترط في عطيته ألا يفرق بين عراقي وعراقي، وقف إلى جنب العراق كما وقف إلى جنب وقلب مصر، ووقف إلى جنب وقلب البحرين ووقف جمعاً وشملاً حين تمكن الاختلاف بين قطر وأشقائها الكبار في المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة. أحببت هذا الرجل وكنت أهرب من خبر وفاته المحتمل في الأسابيع الأخيرة، كنت أراه كما يراه الكثير من الأصدقاء والصحب صمام أمان في هذه المنطقة المضطربة، صمام حسم حين يفور الارتباك ويشتعل التوتر، موقف رجل إذا عز الرجال .. ولكن هذه سنة الحياة وعزاؤنا انتقال سلس للسلطة في المملكة وحكمة خليفته الملك سلمان بن عبدالعزيز الذي كان قريباً نشطاً كما هو دائماً واحتوى في عقله المثقف والموسوعي تاريخ هذه الأسرة ودارتها، وكان عميد عائلتها الحكيم ليواصل المسيرة والسير، لا من أجل السعودية وحدها بل من أجل كل العرب .. وأملهم في مستقبل مختلف أكثر أماناً وأمناً. [email protected]
#بلا_حدود