الخميس - 17 يونيو 2021
الخميس - 17 يونيو 2021

الملك عبدالله .. شخصية تاريخية نذرت نفسها لقضايا الأمة

قليلون هم أولئك الرجال الذين يتوقف التاريخ عندهم بعد رحيلهم لما قدموا لوطنهم وللإنسانية من عطاء .. وقليلون أيضاً أولئك القادة الذين تصغى إليهم العقول باهتمام ويلقون احترام الجميع بما في ذلك من اختلف معهم في الرأي. الراحل الكبير الملك عبدالله بن عبد العزيز واحد من هؤلاء القادة الذين قدموا لوطنهم وللعروبة والإسلام رؤى وأفكاراً جديرة بالتأمل والبحث في جميع المجالات. ولهذا ليس غريباً أن ينعي صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة «حفظه الله» ببالغ الحزن والأسى أخاه خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز آل سعود بقوله «إننا ننعي زعيماً من أبرز أبناء الأمتين العربية والإسلامية أعطى الكثير لشعبه وأمته ودافع عن قضايا العروبة والإسلام بصدق وإخلاص .. وإذ نعرب عن خالص تعازينا للأسرة المالكة ولشعب المملكة العربية السعودية الشقيقة في الفقيد الكبير الملك عبدالله بن عبدالعزيز .. فإننا نؤكد ثقتنا الكاملة في أن الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود وولي العهد الأمير مقرن بن عبد العزيز آل سعود سوف يكملان تلك المسيرة العطرة في خدمة قضايا الأمة والنهوض بمسيرة العمل العربي المشترك». كما نوه سموه بمناقب الفقيد الكبير الذي نذر نفسه لشعبه وقضايا الأمة من دون كلل، وعمل على تقوية البنيان العربي وتعزيز تماسكه. مؤكداً أن الأمتين العربية والإسلامية فقدتا قامة كبيرة وقيادة تاريخية لم تتوان عن خدمة قضايا أمتها حتى آخر لحظة من حياتها. ولا شك في أن حياة الراحل الكبير مملوءة بالمحطات التي لا يمكن التوقف عند جميعها ولكن سنحاول استعراض أبرزها، خصوصاً أنها كانت مؤثرة في تاريخ هذه المنطقة الحيوية من العالم. فعلى الصعيد الداخلي يمثل الجانب الإداري أحد الملامح البارزة في شخصية الملك الراحل عبدالله بن عبد العزيز القيادية، حيث نجح الراحل في إقرار منظومة من القرارات اتسمت بالشمولية وامتدادها وقدرتها على بعث روح التنمية والبناء في شتى ميادين الدولة. ولقد جاءت إنجازات خادم الحرمين الشريفين - رحمه الله - من خلال منظومة متكاملة من المشاريع والقرارات، غطت جوانب مختلفة، أقرها لتستهدف أعلى درجات النمو البشري والحضاري والاقتصادي للإنسان السعودي، بل طالت هذه الجوانب الإنسان في كل مكان من دون الالتفات إلى جنسيته أو ديانته. ويحسب للمك الراحل أنه أطلق مشاريع لمواجهة تحديات الانغلاق والجهل وضيق الأفق من خلال مبادرات لافتة تتمثل في الحوار الوطني، والحوار بين الأديان، وحوار الثقافات وهي الحوارات التي تم من أجلها تنظيم عدد من المؤتمرات العالمية، كان أهمها المؤتمر الإسلامي العالمي للحوار. ويعد الملك عبدالله «رحمه الله» من الشخصيات النادرة في الوطن العربي التي تتعامل مع الأحداث بكل وضوح وصراحة وحكمة واعتدال وشجاعة في مواجهة المواقف، حيث تمكن من وضع المملكة لعربية السعودية خلال سنوات قليلة من عمر الدول والشعوب في مصاف الدول ذات الحضور السياسي والاقتصادي اللافت على مستوى العالم، كما أصبح رقماً صعباً في كثير من المواقف والأحداث، وتميز بأطروحاته الواضحة وجرأته في الكثير من المواقف والرؤى. لقد اختصر الملك عبدالله بن عبد العزيز نهج بلاده منذ مرحلة التأسيس عندما وضع منذ اليوم الأول لتوليه مقاليد الحكم، أسس الأداء السياسي والاقتصادي والتعليمي والاجتماعي والفكري في بلاده التي واجهت صعوبات وتحديات كبيرة بسبب ظروف وأحداث طالت الجميع، ورسم ملامح سياسته الخارجية في توازن ما بين احتياجات الداخل ومتطلبات الخارج، حيث استهل الملك عبدالله عهده في خطاب البيعة التاريخي بالتأكيد على أن شغله الشاغل هو إحقاق الحق وإرساء العدل وخدمة المواطنين كافة بلا تفرقة، كما توجه إلى مواطنيه في الخطاب طالباً منهم أن يشدوا من أزره وأن يعينوه على حمل الأمانة، وأن لا يبخلوا عليه بالنصح والدعاء. وترجم الملك عبدالله سادس ملوك الدولة السعودية الثالثة التوجهات والأسس التي بُني عليها الكيان العظيم من خلال خطاب البيعة الذي أكد فيه اهتمامه بجميع القضايا المعاصرة، محلياً وعربياً وإسلامياً ودولياً، وحمل فيه هواجسه تجاه رسم طريق مستقبل البلاد والأمة. واستطاع الراحل الملك عبدالله بن عبد العزيز أن يحقق توازناً بين الداخل والخارج، وأصبح القائد المدافع عن قضايا الأمة، كما نجح بحكمته في أن يخرج علاقات بلاده والأمة العربية مع الدول الكبرى من الاختبارات الصعبة التي وضعتها أحداث الحادي عشر من سبتمبر (أيلول) من عام 2001، كما نجح في القضاء على الفئة الضالة داخل بلاده، وأطلق في عاصمته مبادرة عالمية لمكافحة الإرهاب، كما لاحق فلول تنظيم القاعدة داخل الجزيرة العربية بهدف القضاء على هذا التنظيم مع دول العالم الأخرى التي اكتوت بناره. ولخادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبد العزيز – رحمه الله -أيادٍ بيضاء ومواقف عربية وإسلامية نبيلة تجاه القضايا العربية والإسلامية، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، حيث استمر على نهج والده الملك عبد العزيز في دعم القضية سياسياً ومادياً ومعنوياً، بالسعي الجاد والمتواصل لتحقيق تطلعات الشعب الفلسطيني إلى العودة إلى أرضه وإقامة دولته المستقلة على ترابه الوطني، وتبني قضية القدس ومناصرتها بكل الوسائل. وفي هذا الإطار قدم الراحل، خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبد العزيز، تصوراً للتسوية الشاملة العادلة للقضية الفلسطينية من ثمانية مبادئ، عرف باسم مشروع الأمير عبدالله بن عبد العزيز، قدم لمؤتمر القمة العربية في بيروت عام 2002، وقد لاقت هذه المقترحات قبولاً عربياً ودولياً، وتبنتها تلك القمة، كما اقترح في المؤتمر العربي الذي عقد في القاهرة في أكتوبر من عام 2000، إنشاء صندوق يحمل اسم انتفاضة القدس، برأسمال قدره مليارا دولار ويخصص للإنفاق على أسر الشهداء الفلسطينيين الذين سقطوا في الانتفاضة، وإنشاء صندوق آخر يحمل اسم صندوق الأقصى تخصص له 800 مليون دولار لتمويل مشاريع تحافظ على الهوية العربية والإسلامية للقدس، والحيلولة دون طمسها، وأعلن عن إسهام المملكة العربية السعودية بربع المبلغ المخصص لهذين الصندوقين. رحم الله الملك عبدالله بن عبد العزيز رحمة واسعة وجزاه الله خير الجزاء نظير ما قدم لشعبه وأمتيه العربية والإسلامية والإنسانية جمعاء ونسال الله التوفيق للملك سلمان بن عبد العزيز في قيادة وطنه إلى ما فيه الخير.
#بلا_حدود