الاحد - 27 نوفمبر 2022
الاحد - 27 نوفمبر 2022

جدران عازلة لأصوات الضحايا

أربع سنوات مضت منذ انطلقت الثورة السورية، والنظام مازال قائماً. يلتقط النظام هذه الحقيقة، فيرتق ثقوبها، ويغسلها، ويكويها، ويعرضها على من تبقى له من مؤيديه والمخدوعين به، باعتبارها الجائزة الكبرى لانتصار عظيم حققه على الرغم من كل شيء. ويتقبل أصحاب الوعي المغيب ادعاء النظام هذا، ويطبلون له، ويزمرون، بادعاء أن مجرد البقاء في معركة بهذا الحجم، وعلى هذا المستوى من الشراسة هو إنجاز كبير يستحق أن يحتفلوا به. يتأسس هذا السلوك على فلسفة في الحكم يؤكدها سلوك النظام في هذا البلد عبر نصف قرن من الحكم تقريباً، وجوهر هذه الفلسفة أن السلطة غنيمة انتهبت أصلاً، وأن من انتهبها لم يكن له وجود قبلها، فحين أصبحت بين يديه شعر بوجوده، لما حققت له من قوة ونفوذ وقدرة على الامتداد والتوسع والتحكم بالمصائر. يضاف إلى ذلك حالة التمركز حول الذات، فهذا النظام لا يرى ما حوله إطلاقاً، ولا يشعر، ولا يقيم وزناً، ولا يحترم إرادة. لقد قالها بشار الأسد نفسه في لقائه الأخير مع هيئة الإذاعة البريطانية: «لنقل إنه كان هناك مليون متظاهر .. إن مليون متظاهر من أصل 24 مليون سوري هي نسبة لا يعتد بها». إن إرادات مليون شخص لا قيمة لها. ليست شيئاً في الميزان. هم بشر غير مرئيين. دماؤهم لا لون لها. يقصفون بالبراميل (التي أنكر وجودها أيضاً) لكن صرخاتهم لن تكون مسموعة. جدران القصر الجمهوري مصممة بحيث تكون عازلة لأصوات الضحايا وأناتهم. تكفي عبارة بشار الأسد تلك وحدها لأن تقيم ضده مليون ثورة بحجم الثورة السورية. لكن هذا سيكون آخر ما يفكر به، أو يثير قلقه. نظامه ما زال قائماً. وهذا هو المعيار الوحيد للانتصار من وجهة نظره. أما أن يكون مليون شخص قد قتلوا فهذا أبسط ثمن يمكن للسوريين أن يدفعوه فداء لعيني رأس النظام وأبناء خالة رأس النظام، وأبناء عمة رأس النظام، وأصهارهم، وأنسبائهم كباراً وصغاراً، ذكوراً وإناثاً، ولدوا فعلاً، أو سيولدون بعد مئة عام. خراب سوريا اليوم واجب على السوريين أن يؤدوه بطيب خاطر لضمان بقاء النظام، وليتاح للرئيس أن يخرج بين الحين والآخر عبر وسائل الإعلام ليهينهم، ويستخف بأرواحهم، ويشمت بهم، ويلفق الأكاذيب ضدهم .. (النظام استمر بالبقاء طوال أربع سنوات). هذه هي الصيغة التي يفضلها النظام لتوصيف الواقع. الصيغة الأخرى: (أربع سنوات ولم يتمكن النظام من القضاء على ثورة السوريين ضده) .. هذه الصيغة غير مناسبة. بل هي جريمة موصوفة يسميها النظام (وهن عزيمة الأمة)، وهي جريمة شائعة في سوريا، وقد أنشأ النظام لمكافحتها شبكة من السجون والمعتقلات على امتداد الوطن، وجهزها بأحدث معدات التعذيب، وأكثرها إثارة للرعب. في المقابلة المشار إليها سابقاً يسأل بشار الأسد: «ما زلت في منصبي منذ أربع سنوات. كيف يحدث ذلك دون أن يكون لي دعم شعبي؟» .. البقاء في المنصب .. كلمة سر النظام..!!