الأربعاء - 28 يوليو 2021
الأربعاء - 28 يوليو 2021

كيميائية الصداقة

من المحزن جداً أن تكون كنهرٍ جار في عطائك لكل أنواع البشر وأصنافهم، وأن تعطي بلا مقابل وأن تتنازل حتى على حساب كبريائك، تعتبر كل من عاش على هذه الكرة الأرضية جزءاً لا يتجزأ من كينونتك وحياتك، تخلص الود وتبادر بالمحبة وتعطي دونما بخل أو تبجح. تتولد المشاعر الإنسانية بالفطرة، فهي محبة للخير كريمة تجود بما لها وما ليس لها، هكذا هم الأصدقاء، حتى إن حالت بينهم الظروف وتباعدت المساحات الجغرافية، وفرقتهم عقارب الساعة الدائرية، يبقون على الوعد والعهد الذي أجبرهم القدر على قطعه ويلتزمون بأواصر الصداقة التي دخلوا عالمها دون أي استئذان. تحسبهم تارة أهلك وتارة أخرى تحسبهم جزيء الأكسجين الذي يكمل اتحاده مع ذره الهيدروجين ليكوِّنا حياة لكل شيء، كالماء العذب في نقائه وصفائه. وبين ليلة وضحاها ومن دون سابق إنذار تنقلب هذه العلاقة إلى تجاذبٍ بين ذرات السم الكربونية وذرتي الأكسجين التي تبدلت من حياةٍ إلى شقاء مكونة ثاني أكسيد الكربون قاتل النفس البشرية. تقلبات الحياة اليومية بضغوطها العملية وبطبيعة الارتباطات الاجتماعية تجعل حتى (مصارين البطن الواحد) في تعارك وتشادٍ، تجعل البصير ببصره معمي البصر والبصيرة، فكيف بمن ساء فهمه وانقلبت محبته عدوانية وكراهية؟ أهذا مفهوم الصداقة والأخوة بالنسبة للبعض؟ مجرد معادلات كيميائية توضع في مختبر العلاقات الإنسانية وفق النظم العقلانية بعيداً عن المشاعر والأحاسيس القلبية، التي من شأنها أن ترسم دنيا وردية من المحبة الأبدية؟ وهل المحبة الأبدية تحتل موقعاً من المعاجم اللغوية التي امتلأت بالمعاني والتفسيرات المبنية على أسس المعرفة الأدبية ممزوجة بالمعرفة الشخصية؟ علاقاتنا على كِفة ميزان، فهي بين صعود ونزول متأرجحة بين الخيال والمعقول، بين النشاط في تحركات ذراتها وبين الخمول، فها هي تنشط لحظة الفرح وتثبط فاعليتها من دون أن نعلم من هو المسؤول، تتداخل الأمور بين مؤيدٍ ومعارض، بين كلمةٍ تقال وفعل يفعل فلا تعرف إن كنت أنت الجاني أو المجني عليه، الفاعل أم المفعول؟ تتسابق الأيام معلنةً قرب انتهائها من عداد الزمن، ونحن نحتفل بإطفاء شمعة خيبات أمل وإشعال أخرى وتوديع ماضٍ واستقبال آخر، في حين أن الشجرة المثمرة بالعلاقات الإنسانية ما زالت تخسر ثمارها الندية بفعل رياح غياب الفهم والوعي والعقلانية وتوقع ما لا يتوقع من صديقٍ على ورقة الوفاء وقّع، ومن دون قصد في شباك الظن وقَع. [email protected]
#بلا_حدود