الأربعاء - 28 يوليو 2021
الأربعاء - 28 يوليو 2021

القبعة السحرية

لي مع القبعات حكايات وقصص كثيرة منذ نعومة أظفاري، ويمكن أن تقولوا إنها «عشرة عمر». فما زالت قبعة الساحرة «أم سعفة» حاضرة في مخيلتي، وكانت حينها تشعرني بالخوف كلما رأيتها، وكذلك قبعة الساحر التي يستخرج منها العجائب، والتي لطالما حلمت باقتناء واحدة، لعلي أحقق بها أحلامي الصغيرة التي كانت تراودني، ولا أشيع سراً إن قلت إن بعضها ما زال يراودني وأنا على أعتاب الخمسين. ثم كبرت قليلاً وظلت القباعات ترافق أيامي، فكانت قبعة الإخفاء والتي فتحت أمامي الكثير من الأفكار الجميلة وبعض الحيل الشريرة كذلك. وبعدها بسنوات، عندما سلكت دربي في مجال التدريب الإداري، تعرفت على طريقة التفكير بالقبعات الست لـ «ديبونو»، ولكن هذه المرة أصبح للقبعات تأثير السحر ليس بالخوارق التي ترافقها؛ بل بما تُفتّح لمعتمرها من أفكار وانطباعات متباينة، تمكنه من النظر عبر زوايا مختلفة لم تخطر على باله. ولها مسحة سحرية مدهشة. ما دعاني اليوم للحديث عن القبعات ليس شيئاً مما مضى، وحتى إنني لا أعني القبة بعينها، بل الحديث هو عن التأثير السحري والتحول الخرافي الذي يحدث في سلوكنا وطريقة حديثنا وحتى في أمزجتنا بمجرد تغيير طفيف نجريه، بارتداء الزي الغربي. قد يبدو ما أقوله غريباً بعض الشيء، أو مضحكاً حتى، لكنني أدعوكم للصبر قليلاً وتأمل كلماتي ومحاولة استدعاء الأحداث والمواقف ذات الصلة، والتي قد تكون تعرضت لها شخصياً وأنت هنا في الوطن وترتدي الزي الوطني ومقارنتها بمواقف مشابهة عندما كنت مغترباً للدراسة أو السياحة وأنت ترتدي الزي الغربي المعتاد. هل لاحظت كيفية التصرف اللطيف مع نادل المطعم أو موظف الاستقبال في الفنادق هناك، في مقابل التعامل المهين أحياناً مع المستخدمين والخدم هنا؟ هل لاحظت الفرق بين التزام قواعد المرور وممرات المشاة هناك وتجاهلها هنا؟ هل لاحظت الحرص على عدم إلقاء المخلفات وعلى ترك المكان أفضل مما كان هناك، ومقدار اللامبالاة هنا؟ بل وحتى الفرق بين الرشاقة في انتقاء الكلمات باللغة الإنجليزية أو الغربية عموماً، في مقابل معجم السباب والصراخ هنا! بل وأذهب أبعد من ذلك، وأزعم أنك لست مضطراً للسفر خارج الدولة حتى تلاحظ الفرق في التصرفات وأسلوب التعامل والحديث، وإنما يكفي ارتداء الزي الغربي، وزيارة أحد الفنادق أو المراكز التجارية، والتكلم مع الأجانب وخصوصاً الغربيين منهم، حتى تلاحظ وبكل وضوح التحول العجيب ورقي التعامل ورحابة الصدر والحرص على انتقاء الكلمات الرقيقة والرشيقة واعتماد المنطق واللباقة أسلوباً للتفاهم والحوار! والعجيب أن ذات الشخص المتحول يمكنه أن يبث على موجتين مختلفتين في الآن ذاته، فبمجرد أن يرن هاتفه برقم صاحبه العربي أو حتى زوجته، ترى كيف تنقلب اللباقة إلى حماقة والكلام المهذب إلى كلامٍ جارح مدبب، مع ارتفاع نبرة الصوت وتعالي الصراخ. ثم وبمجرد أن تنتهي المكالمة، ينتهي كل شيء ويعود صاحبنا إلى هدوئه ورزانة حديثة مع الغربي أو الغربية التي تجالسه. هذه المواقف نفسها والتصرفات تتكرر في الدوائر والوزارات، فالمدير العابس في وجه موظفيه والذي يعاملهم بتعال، ويبدي لهم الكثير من التجهم، ولا يتوانى عن زجرهم والتهكم بأدائهم الذي جاء أقل من توقعاته التي لم يخبرهم بها، هو ذاته اللطيف واللبق مع زواره من المستشارين الأجانب، بل وحتى الأجانب عنده هم مستويات وطبقات، ابتداء من الآسيوي القريب إلى الآسيوي البعيد، إلى الغربي الأبعد، وقد يكون الأول أكثرهم خبرة وأعلاهم كعباً في تخصصه، لكنه لا ينال ذات اللطافة والاحترام الذي يلقاه صاحب العيون الزرقاء والشعر الأشقر. ويبدو أن القبعة السحرية تتسع دائرة تأثيرها، وتنسحب لتشمل الطبقة السياسية. فتعامل الساسة العرب مع أشقائهم العرب يتسم عادة بالندية والجفاء، والتذاكي والضرب تحت الحزام من دون مراعاة للضوابط الدبلوماسية، ولكن كل ذلك يتغير ويستلبس السياسي بالأخلاق الملائكية والنزاهة واللطافة والاحترام عند تعامله مع نظرائه من الساسة الغربيين. وكأنه شخص آخر تماماً ليس له علاقة بذاك الذي كان قبل قليل. بالطبع لا يمكن أن نعمم هذه التصرفات على كل الساسة والإداريين أو حتى العرب. وأنا هنا لست بصدد وضع الحلول لهذه الظاهرة الشيزوفرينية للإنسان العربي، بل غاية مرادي هو أن أجمع شتات الشواهد كي أبرهن على وجودها بالفعل. وهي بحاجة منا لبعض التأمل لاستحضار المزيد منها، ففي جعبة الكثير منا الكثير منها. وأنا اليوم أضعها على طاولة النقاش، وأواجه بها نفسي قبل غيري، وأتساءل بكل براءة كيف لتغيير الثياب أن يقلبنا من حال إلى ضده في لمحة عين؟ وفي المقابل هل من الطبيعي أن ينقلب الغربي من شخص يتسم بالنظام والعقلانية إلى آخر فوضوي وأرعن بمجرد أن يرتدي الثياب ......؟ وحتى ألقاكم، كونوا بخير. [email protected]
#بلا_حدود