الأربعاء - 28 يوليو 2021
الأربعاء - 28 يوليو 2021

أبناء الحضارات يجاهدون ضد الإنسانية ولا حرج

من التمثالين العملاقين اللذين تحطما على أيدي طالبان في عام 2001 مروراً برغبة السلفيين في مصر، في عام حكم الإخوان، تغطية وجود كل التماثيل الفرعونية بالشمع وإقامتهم إحدى ندواتهم في أشهر معابد مدينة الأقصر كدليل متعمد على الرغبة في تحويل هذه المزارات السياحية إلى وجهة مختلفة تماماً، ثم الدعوات التي توالت من أكثر من سلفي بضرورة التكاتف لهدم تمثال «أبو الهول» والأهرام وغيرهما على اعتبارهما أصناماً تعبد من دون الله، إلى ما تعرض له تمثال نهضة مصر أثناء تجمع النهضة ورابعة وكيف تشوه تماماً. أخيراً وليس بآخر تحطيم الآثار والتماثيل الآشورية في متحف الموصل على أيدي سفاحي «داعش»، على اعتبار أن بقايا الحضارات المختلفة ما هي إلا أوثان يجب أن تمحى من الوجود، والواقع أننا لا نعلم هل يوجد مجنون على وجه الأرض يعبد «أبو الهول» أو تمثال طه حسين أو أحمد شوقي وأم كلثوم وغيرهم؟ قد نفهم أن يفعل هذا جاهل أو صاحب عقل بسيط مغيب، ولكن التنظيم الأخير على وجه التحديد معروف للقاصي والداني أنه خليط من جنسيات مختلفة منها أعداد لا يستهان بها من الغربيين أو ممن تربوا وشبوا في أحضان الثقافة الغربية خصوصاً الأوروبية التي تعلي قيمة التاريخ والحضارة، فكيف تغير تفكيرهم وأمكن التأثير فيهم وتحولوا من أناس يحترمون الحضارات العريقة إلى أعداء لها وللتراث البشري والإنساني. هل بات أبناء الغرب بعد انضمامهم لداعش يؤمنون بأن ما يحطمونه هو من أصنام الجاهلية؟ حتى علماء النفس يقفون عاجزين أمام هذه الظاهرة التي تجعل الشخص خلال أشهر أو حتى سنوات قليلة جداً يلقي بكل تعليمه وثقافته وراء ظهره، ويتبنى نقيضهما تماماً، ويصل به الحد للذبح والحرق للغير، دفاعاً عما زج به في رأسه من ضلال لا يستند على أي قواعد أو سند يمكن أن يرتكن إليهما. كيف على سبيل المثال لأبناء الفكر الفرنسي الذين تربوا على منهج إعمال العقل بل والشك (ديكارت) ومحاولة التوصل إلى نتائج يقبلها العقل، ألا يقارنوا بين ما تفعله جماعتهم وبين ما فعله الصحابة أثناء الفتوحات الإسلامية؟ لماذا غابت البديهيات عن أذهانهم؟ لو كان تحطيم هذه الآثار واجباً دينياً لكان أولى به القائد عمرو بن العاص وقت الفتح في عهد الخليفة عمر بن الخطاب المعروف بشدّته في تطبيق أحكام الدين؟ العجيب هنا ليس هذا العداء الكامن في صدورهم لكل ما نقدره كبلاد تتميز بحضارتها، بل في الكيفية التي تغيب فيها العقول وتمتلئ الصدور بالكراهية بحيث تحدث قطيعة كاملة بين سنوات الطفولة وبدايات الشباب وبين الحاضر الذي انغرس في نفوس أعضاء هذه التنظيمات. لا يمكننا أن نكتفي بالأسف والأسى أمام ما يحدث على مرأى ومسمع منا، كما يجب ألا ترتاح ضمائرنا بالتأكيدات التي تتناثر من حولنا بأن هذه الجماعات غائبة عن الوعي وواقعة تحت تأثير المخدرات أو أنهم مجرد عملاء لأجهزة بعينها. ربما في هذا جزء من الحقيقة، لكنهم ليسوا جميعاً عملاء أو مدمنين مسيطراً عليهم بالمخدر، فمنهم من يؤمن بما يقدم عليه ويجعله يغادر بلاده وحياته ويضحي راضياً من أجل قناعاته، لذا ينبغي علينا أن نفهم ونستوعب الدروس من هذه التحولات النفسية التي تحدث لهؤلاء، فمن دون هذا الفهم لن نستطيع حماية المستقبل المتجسد في الأجيال الجديدة من الوقوع في براثنهم. أين علماء الاجتماع والنفس؟ لماذا لا نسمع لهم صوتاً؟ حتى اليوم توجد عشرات التحليلات لما يجري وأهدافه، لكن لا شيء منطقياً ومقبولاً حول كيفية سيطرة هذه الجماعات على أناس كانت الثقافة والأساليب العلمية للتعليم جزءاً لا يتجزأ من سنوات طويلة من حياتهم. [email protected]
#بلا_حدود