الثلاثاء - 27 يوليو 2021
الثلاثاء - 27 يوليو 2021

حرية الورق

لكل قارئ شغوف شخوص صديقة، شخصيات صادفها في أحد الكتب، وأحس بها تمثل أكثر من مجرد حالة على الورق، شخصيات أجابت له عن بعض التساؤلات، أو أخرى فتحت له بوابة تساؤلات أكبر.. أسماء وجد بها ما يشبهه، ما يريد قوله لو أنه امتلك الطلاقة ذاتها، شخصية مثلت له حنيناً ما، بحيث تعلق بأبعاد عالمها لما بعد الصفحة الأخيرة، وأخرى تلامس في مجمل ما تحكي مكاناً خفياً في القلب أو العقل، فيحدث أن تتمنى، وإن كان بشكل لا واع أحياناً، أن تستطيع إخراج هذه الشخصيات من نطاقها الأثيري إلى الواقع الحقيقي.. أن تحررها من إطارات الكاتب، لتخرج إلى حدودك أنت، كما تراها نافذة تأويلك الشخصي، ولكن ماذا لو وجدت هذه الشخصية، في عالم الواقع الذي رسمته لها أنت، ما هو أبعد من ذلك.. ماذا لو أنها خرجت لتطالب بحريتها، خارج حدودك أنت وكاتبك الأثير؟ العمل المسرحي «بعيداً عن السيطرة» لفرقة مسرح الطائف، والذي عرض ضمن أيام مهرجان الشارقة للمسرح الخليجي، يضعك مباشرةً أمام هذه الحالة بكل غرائبيتها .. فالنص المسرحي لكاتبه فهد ردة الحارثي، يتناول تمرد شخوص ورقية على قراء، أخرجوها عنوةً من عالمها المرسوم بدقة، إلى عالم خارج أي افتراض أو نسق إلا تأويلات القارئ شغوف.. ورغم أننا قد نكون مررنا بنماذج سردية، تناقش تمرد الشخوص على كاتبها، إلا أننا هنا أمام تمرد الضفة الأخرى.. في عالم ما بعد الكاتب والكتابة والتلقي، حيث جموح القارئ في توحده مع العمل أمامه يأخذه إلى اقتصاص أجزاء كاملة من ملامحه ليأخذه إلى عالمه.. وهنا، يأتي عمل المخرج سامي الزهراني على الخشبة، ليسهم في تكوين تشكيل إخراجي لافت، يجسد النص مرياً إيانا كيف يذهب ثلاثة قراء مخلصين، لأجود ما أنتجه كاتبهم الأثير بعد وفاته، وعلى مدار ثلاث لوحات رئيسة للعمل، يأخذ القارئ الأول، شخصية أبو عبده الحلاق البسيط من عالمه الرتيب المعدم، إلى عالم القارئ الذي يرى أن «أبو عبده» يجب أن يراه ويلازمه فيه، فيما يذهب القارئ الثاني في اللوحة الثانية، إلى المقبرة حيث الشخصية العدمية «ثابت» حفار القبور، بصوته العميق كالموت ذاته، متعمداً أن ينبش وجوده، ليذهب به إلى ذات الحياة المختلف عن ثبات ثابت على الرتم الجنائزي. المعتاد، فيما يتبقى للقارئ الأخير في اللوحة الثالثة، شخصية العاشق الملتاع.. المأخوذ بالوحدة والانتظار، الموشوم بالأزل، منتزعاً إياه من ذلك المكمن إلى رتم الانتظارات الآنية السريعة والمحطات اللاهثة.. كل قارئ كان يسعى لسد ثغرة في واقعه بتلك الشخوص، فإذا بالشخوص تتسرب من تلك الثغرة، باندفاع طفولة مستكشفة لما حولها، ثم مراهقة متمردة تريد أن يكون لها سؤال حياتها الخاص، الذي قد يقودها لاحقاً إلى نضج واستقرار يشكل إرادتها الحرة، فأبو عبده الحلاق الخانع القانع يتحول لرغبة التجارة بجشع مستعر، وثابت المتدثر بالموت، تأخذه أوجه الحياة إلى أكثر أبعادها هزلية، حيث الأقنعة المتلونة وأشكال الخداع والجدل الهارب من كل الحقائق، حتى حقيقة الموت. فيما يتبقى أن نمط الانتظارات القصيرة، يحول العاشق، إلى شخص لا ينتظر أحداً في النهاية.. لا يؤثر في المحطات اللاهثة شخص يستحق الحب، ويبقى له أن ينكفئ على ذاته مستشرساً عالماً بارداً، ومثقلاً بكل أسباب تضخيم الذات، كل ذلك يخرج عن السيطرة أخيراً، عندما يتورط القراء بضرورة سد فراغ الأجزاء المبتورة في مؤلفات كاتبهم الأثير، منسلخين بذلك عن ذواتهم الأصلية في سجن الكتب التي يدخلونها الآن في مواضع الشخصيات التي أخرجوها منها سابقاً. هذه النهاية التي آخذها هنا من تأويلي الخاص، تأتي غير واضحة نوعاً ما في النص المكتوب، أما من خلال ما عرض على الخشبة، فإن تسارع الأحداث في الدقائق الأخيرة لم يمنح المتلقي الفرصة الكافية لمحاولة التحليل، على عكس مقدمة المسرحية التي استطالت في تمهيد الفكرة الرئيسة التي جاء بها التمثيل الإخراجي أطول مما احتمل النص. لكن المخرج بالمجمل نقل العمل من فكرته اللافتة نصاً، إلى خشبة ضاجة وصاخبة بالتساؤلات والأشكال والألوان حيث الإضاءة الموفقة، وإن استلزمت أحياناً وضوحاً أكبر في بعض المواضع الخاصة برمزية معينة، تحدث بالتزامن مع الحدث الرئيس على الخشبة، وحيث جاء الديكور الرمزي في أحايين، والبشري في مواضع أخرى بدلالات مميزة على الخشبة، بالإضافة إلى غيرها من التفاصيل التي أبقت ذهنية المتلقي في حالة اشتغال دائم أثناء العرض. كل ما هو قابل للتأويل يحتمل كل أوجه النهايات، المعتمة والمضيئة، .. لكنها مخاطرة تستحق التجريب.. إذ وجدتني من موضعي على كرسي المشاهدة، وحتى بعض انقضاء العرض أتخير كماً كبيراً من الشخصيات التي قرأت، وأتمنى لو أنني أضعها مباشرة في مواجهة حريتها، لتتمرد على كاتبها وعلي .. متسائلة: ماذا كانت ستختار؟ [email protected]
#بلا_حدود