الأربعاء - 04 أغسطس 2021
الأربعاء - 04 أغسطس 2021

«لاقيني ولا تغديني»

عنوان المقال مثل عامي مشهور، يستعمله أغلب شعوب المنطقة، للتعبير به عن جوهر مهم من جواهر التعامل مع البشر.. من المشاكل الحقيقية التي يعانيها الناس من أصحاب رؤوس الأموال وذوي المناصب، غلبة ظنهم في أنهم بأموالهم قد حققوا أماني غيرهم، وينسون في زحمة أعمالهم هذا المثل الجميل. صاحب الجاه والمركز والمكانة في هذه الدنيا لا بد أن يعلم أن من أسمى ما يتطلع إليه السوي من البشر هو التعامل الجيد الذي يشعره بأنه شخص مُهتم به، فالناس يفضلون الشخص الذي يسأل عنهم، ويقابلهم، ويبتسم لهم، أكثر بمراحل من الذي يملأ جيوبهم أموالاً، خالية من الروح. من أهم قواعد السلوك الإنساني منح الآخرين الأهمية، وتقديرهم، فعن سيدنا أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: «إِنَّكُمْ (لا) تَسَعُونَ النَّاسَ بِأَمْوَالِكُمْ، وَلَكِنْ يَسَعُهُمْ مِنْكُمْ بَسْطُ الْوَجْهِ وَحُسْنُ الْخُلُقِ» ـ وفي رواية «إنكم (لن) تَسَعُوا الناسَ بأموالِكم، فسَعُوهم ببسطِ الوجْهِ وحُسْنِ الخُلُقِ» ـ أخرجهما الإمام أبو يعلى الموصلي في مسنده، وصححه الإمام الحاكم في مستدركه ـ .. الحديثان الشريفان شرحهما العلامة الشيخ محمد عبدالرؤوف المناوي، من أعيان القرن العاشر الهجري، في كتابه (فيض القدير شرح الجامع الصغير من أحاديث البشير النذير)، الذي شرح فيه كتاب (الجامع الصغير) للإمام السيوطي شرحاً وافياً، تعرض فيه للألفاظ، ووجوه الإعراب، وضبط الكلمات، وفسر الأحاديث بآيات وأحاديث أخرى كريمة، ذاكراً الأحكام والمسائل وأقول العلماء بطريقة رائعة. يقول الشيخ المناوي: «(إنكم لا تسعون)، أي لا تطيقون، وفي رواية (إنكم لن تسعوا) أي لا يمكنكم ذلك، (ولكن ليسعهم منكم بسط الوجه وحسن الخلق) أي لا تتسع أموالكم لعطائهم، فوسعوا أخلاقكم لصحبتهم.. ولأن استيعاب عامتهم بالإحسان بالفعل غير ممكن، فأمر بجعل ذلك بالقول.. (وقولوا للناس حسنا).. وكان الشيخ إبراهيم بن أدهم ـ من أبرز أعلام القرن الثاني الهجري ـ يقول: «إن الرجل ليدرك بحسن خلقه ما لا يدركه بماله، لأن المال عليه فيه زكاة وصلة أرحام وأشياء أخر، وخُلقه ليس عليه فيه شيء». عنوان المقال يترجمه مثل سوداني شهير هو: «بليلة مباشر، ولا ضبيحة مكاشر»، ــ الضبيحة معناها الذبيحة ــ، ووالله لقد صدقوا؛ فغالبية الناس، وحتى المحتاجين منهم للمال، لو فتشنا أحاسيسهم لوجدنا أن مراعاة مشاعرهم، وتقدير مكانتهم، ومشاركتهم وجدانياً، ليتغلبوا على ما يواجهونه من مصاعب وتحديات، أكثر قيمة من الفانيات الدنيوية، التي يظن غيرهم أنها كل شيء في هذه الحياة.. أخيراً.. أتطلع وفي القريب العاجل إلى أن يقوم أصحاب الجاه بتعديل المثل الشهير «لاقيني ولا تغديني»، إلى «لاقيني وغديني»، بالعمل، والسؤال، وتفقد الحال، وليس بتمويل الأموال، أو قول الأقوال. [email protected]
#بلا_حدود