الأربعاء - 04 أغسطس 2021
الأربعاء - 04 أغسطس 2021

الرهان على المثقفين قبل العلماء لمواجهة الإرهاب

عندما نتحدث عن الثقافة بوصفها الهويّة التي تحدد موقع البشر من أنفسهم خصوصاً في المرحلة الدقيقة التي يمر به الوضع العربي، حيث جرّد الإسلام من كل القيّم الحضارية التي كرّسها في الفكر الإنساني. من خلال الثقافة تتحقق الوحدة القوميّة، ومن ثم الاعتدال والوسطية المنشودة، وحماية الأجيال من أفكار الغلو والتطرف، ولأن نمطاً من التديّن أدى لفترات من الزمن إلى إقصاء دور الثقافة، لا سيما أن تهميش الدور الثقافي في حياة الأمم يؤدّي إلى تحويله إلى بؤرة صراع وتناحر. إنّ إشاعة التنوير نحو مشروعات النهضة لا تأتي إلا بالرهان على المثقفين أولي العلم قائماً بالقسط، المتحرّرين من كلّ تيار حزبي لمذهب ديني أو سياسي. حينما انفصلت الثقافة عن الدين أصبحت مجتمعاتنا بيئة حاضنة للإرهاب، حينئذ أصبحنا فريسة سهلة للتيارات الحركية المتطرفة، الثقافة عموماً هي أن تحدّد موقعك وهويتك من العالم، المعضلة في الاتجاهات الإسلاميّة حوّلت أمّتنا من حيث الهويّة إلى أجزاء من طوائف أو مذاهب شتى ما ساعد على التفتت والفرقة. للقضاء على التطرف نحن بحاجة إلى طروحات بديلة تواجه الإرهاب، والبديل هو الإسلام العصري المتوازن الذي نهضت به ماليزيا وإندونيسيا المتعايشة على قيم الإسلام العصري وتسامحه الذي وصلت أهدافه ورؤاه إلى المسلمين في جميع أنحاء العالم، لأن احترام ثقافة التنوع هاجس أصيل لديننا. تفعيل دور الثقافة باعتبار مشكلاتنا الحاصلة ثقافية أكثر من كونها مشكلات دينيّة، مثل إشعال الفتنة الطائفية استناداً للموروث، إحياء أبطال التاريخ دون غيرهم، هدم الأضرحة والأثريات، إقصاء الفكر الآخر، الحدية والأحادية الفقهية، والانتقائية في التعامل مع أوامر الدين ونواهيه، عدم الانفتاح على المرجعيات الأخرى. لأننا حقاً نعاني من معاول هدم فكرية أساسها أقرب إلى الثقافة منها إلى الدين، أوامر الشريعة من الله وتطبيقها يتم حسب تعاطينا مع الدين، وطريقة فهمنا للنصوص أيضاً تحمل مدلول ثقافة. التزمُّت في التديّن جلب للأمّة ثقافة منكفئة على نفسها، وإقصاء للحرية الفكرية المخالفة، وجعل النقاء الثقافي شرطاً في التفاعل مع الآخر مع أنّ الحضارة الإسلامية في فترات ازدهارها كانت على علاقات وثيقة بالثقافات الأخرى مثل اليونان والهند والصين. من خلال ثقافة التزمت الحاصلة تم إقصاء فقه المخالفين وتهميش آخرين، حيث أصبح في التراث الإسلامي جزء من التراث الفقهي من المسلمات المقدسة وآخر من مخالفيه مهمشاً، ما أدى إلى تجميد الكثير من الدرر بدون أن يتم إبرازه والاستفادة منه فكرياً وعملياً، نحن بحاجة ملحة إلى إبراز جل تراثنا الفكري وفحصه وفق مناهج البحث العلمي الحديث. تمتلكنا رغبة ملحة في إحياء فكرة التراث العقلي والفكري لأمّتنا من خلال تفعيل أدوار التاريخ في أبطاله مثل ابن سينا والفارابي وابن رشد وابن خلدون، ليكون منهجاً عقليّاً في التعامل مع ذلك الإرث، وتهميش أشخاص شرّعوا من فكرة الدم والقتل مثل: الحجاج وبيبرس والقرامطة وهولاكو.. الخ، وهذا التاريخ يدرّس في مدارسنا كنماذج سعَتْ إلى فرض هيمنتها وجبَروتها على رعيّتها بشتى أنواع التنكيل والتقتيل. من زاوية أخرى، فإنّ إشاعة الخوف والإرهاب لا يتأتى القضاء عليه إلا بالمستنيرين والمستنبطين، قال تعالى (وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو ردّوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم) .. والاستنباط ليس حكراً للعلماء، بل هو للمفكرين والمثقفين أيضاً، وكلّ من هم في قمّة الهرم في المجتمع من القادرين على تصور المستقبل وطرح مشكلاته، تلك الثقافة القادرة على مواجهة تزييف الوعي الإسلامي، لكونه عصارة من التفاعل الواعي المتبادل مع العالم، حيث له القدرة على تحدي الاتجاهات الفكرية الهدّامة من خلال محاربة الإرهاب وتأكيد الاعتدال وغرس التنوّع وخلق تفكير وسطي، وهذه كلّها حزمة من الأفكار تحتاج إلى فعل ثقافي لتأكيدها في أوطاننا العربية. [email protected]
#بلا_حدود