السبت - 24 يوليو 2021
السبت - 24 يوليو 2021

الضفائر البيضاء

كانت تجدل خصائلها أمام المرآة بينما أختها الصغيرة تتصفّح المجلة على السرير تختار فستاناً لتحضر فيه زفاف أختها، غير أن العروس لم تشأ أن تنظر إلى نفسها في المرآة كانت تتجنب ذلك باستمرار، إلا أنها كانت تُرغم نفسها على فعل ذلك قبل النوم على الأقل، كي تنتهي من صِدامات الماضي قبل النوم فلا تقض الكوابيس مضجعها، كان وجهها مرآة أخرى تنعكس عليه كوابيس السبعة عشر سنة الماضية، قضتها في حرمانٍ ترك بصماته على وجهها بالتجاعيد والشحوب، وعلى رأسها شعرات بيضاء هي بمثابة رايات استسلام واستقالة من دولاب الحياة الذي ما فتئ يعذبهما معاً ويُصيبهما بالدوار والغثيان. بدأت حكايتها حين كانت في عمر الـ 24، أحبت شاباً يكبرها بسنتين، تعلقا ببعضهما بكل صدق وإخلاص، ولكن أمه كانت تعد الحب كُفراً، وضرباً من ضروب الخرافة، وتمشي على مبدأ: «زوجوه غيرها ينسى» .. حارب سنين طويلة كي يرتبط بها ولكن من دون جدوى، حين أحس أنه لم يتبقَ بينه وبين أهله سوى خيط رفيع واهن من الممكن أن ينقطع في أي لحظة، استسلم لخيارهم. أنجب، ولكن لم يمضِ على زواجه سوى سنين معدودة، فشل في ردع الحنين وتمزيق ذاكرته، كان تيار الحنين أقوى من أي تيارات أخرى، تيار ظلمه للفتاة البريئة التي لا ذنب لها، تيار تشرد أبنائه، تيار عصيان أمه، تيار غضب المجتمع الذي لا يرحم، وعاد إلى أحضانها بعد 17 سنة، عندما مُسخت فيها الحياة وتشوّه ملاك الأمل، وحين أمعنت رماح الضياع التوغل في جسده، وصل إلى ضفافها جريحاً منهكاً ولكن رغماً عن ذلك استطاعت أن تجد له مساحة مُلونة في حياتها، تضمد فيها جراحه، لكن حتى وإن غفرت لمن تسبب لهم بكل مساحات الجحيم تلك، إلا أن ضفائرها البيضاء ستسمر في لعنهم كل ليلة قبل النوم.
#بلا_حدود