الثلاثاء - 03 أغسطس 2021
الثلاثاء - 03 أغسطس 2021

بنات الفريج

في طفولتي المبكرة، كان أخي الصغير يجري خلفي، وأنا أحاول الهرب منه، في خضم المطاردة ارتطم رأسي بإطار النافذة .. من قوة الارتطام فقدت الإحساس بالألم، اكتفيت بوضع يدي على مقدمة رأسي لأستكشف ما حدث، لون يدي وقد اصطبغت بالدماء أصابني بالفزع، تغير الموقف كلياً، هرب أخي الصغير خائفاً، وبدأت أركض خلفه! نحن الاثنين نصيح أمي .. أمي .. لا أحد يرد، أمي وشقيقاتي في بيت جدتي، أبي لم يعد بعد، أخي الكبير خارج المنزل، مدبّرة منزلنا أصيبت بالفزع هي الأخرى، هرولت إلى بيوت الجيران تطلب النجدة ! بعد دقائق قليلة شاهدت مجموعة من بنات الفريج يدخلن إلى بيتنا، بعضهن مدرسات، وبعضهن طالبات في الجامعة، وبعضهن طالبات صغيرات جئن لمشاهدة نكبة جارهن الصغير عبدالله. سألوا أخي الصغير عن مكان المطبخ، قادهن إليه، سألوه عن مكان القهوة، أخبرهن عنه، خلال أقل من نصف ساعة كانت الأمور تسير نحو الأفضل، أنا مستلق على الأريكة، وقطع من القماش تلف رأسي، نظرت في عيونهن جميعاً فرأيت حب الأمهات، وحنان الشقيقات، توقف النزيف، تلاشى الألم، شعرت بالطمأنينة، ومر الموقف بسلام. من يومها تغير سلوكي مع بنات الفريج، ازداد احترامي لهن، توقفت عن إزعاجهن، لم أعد أستعرض أمامهن مهاراتي في قيادة الدراجة الهوائية، لم أعد أضرب على أجراس منازلهن وأهرب، لم أعد أتسلق جدران منازلهن لأقطف الفرصاد واللوز. أدركت قوة المرأة، واعترفت بحاجتي إليها، تصالحت معها، فاكتشفت أني تصالحت مع الحياة بأكملها، كبرت وظل هذا الموقف عالقاً في ذاكرتي، لا ينمحي منها أبداً. عندما يقولون إن الرجل سند للمرأة، أكمل من تلقاء نفسي وأقول «والمرأة أيضاً سند للرجل»، عندما يقولون إن المرأة كائن ضعيف، أعترض بشدة، وأقول «كذب .. في الكثير من المواقف المرأة تكون أقوى، وأكثر ثباتاً من الرجل». من الأشياء التي أحرص عليها حالياً في نطاق عائلتي الممتدة، هي خَلق علاقة صحية بين ذكور العائلة وإناثها، علاقة تقوم على الحب والتقدير المتبادل، أقول لشباب العائلة ادعموا أخواتكم، وأقول لإناثها احترموا إخوتكن، أقول لهم إن الحياة تتسع لكم جميعاً، وإن الصراع بين الرجل والمرأة لا وجود له إلا في عقول الأغبياء، أشرح لهم مفهوم القوامة التي وردت في القرآن الكريم بشكل مختلف عما سمعوه من الآخرين، فالقوامة الحقيقة تتجسد في دعم الرجل للمرأة، وتحفيزه لها لتكون أقوى، وليس في هيمنته عليها، وإخضاعها لسيطرته. أتمنى أن يصل مقالي هذا إلى بنات فريجنا القديم، فالشعور بالامتنان لم يغادر قلبي بعد، وكلمة الشكر واجبة في حقهن، حتى وإن جاءت متأخرة. [email protected]
#بلا_حدود