السبت - 31 يوليو 2021
السبت - 31 يوليو 2021

لا أوباما ولا كاميرون تعلما السياسة في الميادين

من حقنا أن نرنو بأبصارنا نحو الغير، خصوصاً من هو متقدم عنا في الكثير من المجالات. ولكن العيب كل العيب أن نحاول محاكاته من دون امتلاك نفس أدواته، فنغدو كالغراب الذي قلد الطاووس، فلا هو بقي نفسه ولا صار طاووساً. طبيعي أن تلتفت دول العالم إلى الشباب، بل يجب أن يحظى كل شاب وشابة ممن يتمتعون بميزات وكفاءات بحظ وافر في تقلد المناصب أياً كانت، خصوصاً أن لدينا في منطقتنا ما هو مفقود لدى الغرب وأعني النسب المرتفعة لعدد الشباب تناسباً مع تعداد السكان. ولكن أن يصبح العزف على وتر الشباب هو النغمة السائدة من دون أي أسانيد لها، فلن نحصد إلا مقطوعات كلها نشاز. منذ ما يقرب من خمس سنوات ونحن لا نسمع في مصر سوى العبارات نفسها (الشباب، ضرورة إدماج الشباب، لابد أن يتقلد الشباب المناصب العليا، نحرص على تغيير الدماء) وما إلى ذلك من عبارات لا طائل منها سوى مجاراة موضة بعينها طفَت على السطح ولم نعرف كيف نناقشها أو نتعامل معها. أي شباب يتحدث عنه الجميع؟ العاطل عن العمل الذي يبحث عن الوظيفة ولقمة العيش، هذا حقه وينبغي أن يناله وأن توفر له هذه الوظيفة الحد الأدنى من الحياة الكريمة وهو أضعف الإيمان. أم عن الشباب الثائر الذي أسهم بشكل أو بآخر في التغيير بعفوية ومن دون تنظيم أو تكوين سياسي كاف لأن يكون مشاركاً قيادياً في الحياة السياسية، والذي بدأ البعض في استغلاله لتطعيم حزب أو ائتلاف أو تيار، كي يتمكن رئيسه من نثر العبارات الرنانة إعلامياً. كل ما يقال في عمومه هو صحيح من دون شك، ولكن لا النزول للميادين العامة ولا رفع اللافتات والصوت ولا مجرد الرغبة في تغيير الأوضاع كافٍ لخلق كادر سياسي حقيقي ومميز. الأدهى حينما ينسحب هذا على الوظائف، فنرى من يقفز من الميادين إلى منصب لا علاقة لتخصصه العلمي أو الشخصي به، ولكنه نهج التطعيم ذاته الذي بدأ ينسحب على مؤسسات الدولة كي تجاري نفس الصيحة. من يعرف قدر الشباب هو من يحمل هم تدريبهم وتعليمهم وتبنّي مواهبهم وصقلهم ومساعدتهم على نيل قدر أكبر من التعليم أو الممارسة عبر المنح والتبادل في كل المجالات بين بلدان العالم بعضها بعضاً. من يؤمن بدور هذه الأجيال الصاعدة عليه أن يعمل على تكوين كوادر سليمة ذهنياً ونفسياً ولديها قدر ملائم من الثقافة والمعرفة ومدربة على العمل السياسي من خلال منظومة سليمة تعرف تماماً حقوقها وواجباتها ومتى تتقدم وأين تقف، وكيف تقدم نفسها كمساهمة في بناء وطن ومستقبل. في الغرب يتدرب الأطفال على ممارسة السياسة من المرحلة الابتدائية، سواء في التعامل مع المعلم والمعلمة أو إدارة المدرسة عبر اختيار ممثل لكل فصل يتحدث عن المشاكل داخله وطرح أفكارا جديدة. في المرحلة الإعدادية يجلس الطالب المختار مع مجموعة المدرسين كل 3 شهور أثناء عملية التقييم لكل طالب ويدلي برأيه الذي يؤخذ في الاعتبار لأنه هو الأعلم بظروف زملائه ويتحدث نيابة عنهم. وفي المرحلة الثانوية يندرج الكثير من الطلاب في الأحزاب ويتعلمون ماهية الحياة السياسية، وهكذا حتى التخرج من الجامعة، فهل نفعل واحداً في المئة من كل هذا حتى يكون الغرب هو المثال الذي ننادي بالتساوي معه؟ لا كاميرون ولا أوباما جاءا من الميادين، بل هم صنيعة منظومة متكاملة قادرة على إفراز قيادات قد تخفق وقد تنجح في المحك العملي، لكنها من دون أدنى شك متمرسة فيما هي مقبلة عليه قبل أن تفكر في الصراع من أجله. علينا الإيمان بدور الشباب واستيعاب طاقاتهم والعمل على تكوينهم التكوين الذي يؤهلهم للتميز، ومن دون هذا فأي تعاط آخر مع مشاكلهم وأحلامهم فإن مصيره إلى الزوال بل ربما يأتي بردود فعل عكسية تماماً. [email protected]
#بلا_حدود