الأربعاء - 28 يوليو 2021
الأربعاء - 28 يوليو 2021

لماذا نحن الأفضل؟

ما الذي يجعلنا نعتقد أننا على حق؟ أو أننا نمتلك الحقيقة في أقوالنا وتصرفاتنا ومعتقداتنا؟ في الوقت الذي يقر فيه أغلبنا بأننا لسنا سوى نتاج غيرنا، تربية آخرين وأفكار آخرين وأقوال آخرين ومعتقدات آخرين، وأنها هي مَن كونتنا وجعلتنا ما نحن عليه اليوم، والحال ذاته بالنسبة إلى الآخرين الذين يخالفوننا أو يختلفون معنا، وليس بالإمكان اختبار جميع تلك المفاهيم والأفكار التي نشأنا على الإيمان بها. أعظم الخلافات والمشاكل الفكرية التي تنشأ بين الأفراد والجماعات هي في الأساس إقرار بفشلنا في التعامل مع الاختلاف، فنحن بطريقة أو بأخرى نريد أن يتحول الآخرون إلى أشخاص يماثلوننا أو يشابهوننا في الأفكار والمعتقدات، وخالق هذا الكون لم يرد ذلك، فلو شاء لجعلنا أمة واحدة، وإنما جعل الاختلاف في ما بيننا ليختبر قدرتنا على فهم هذا الاختلاف والتعامل معه دون تحويله إلى خلاف تصادم أو تناطح، إذ ليس مطلوباً منا صبغ العالم بلون واحد نختاره نحن، ولكن علينا أن نظهر محاسن لوننا، دون ازدراء بقية الألوان. ومن خلال استقراء الواقع سنجد أن الأشخاص الأقل علماً هم الأشخاص الأكثر حسماً، مما يُوقعهم في صِدامات مستمرة مع المختلفين عنهم، ومن طريف الحوادث أن ثمة طالب شرعيّ مُستجد أنهى دراسته في الفصل الأول، وتوقفت الدراسة في المنهج عند تحريم زواج الشغار في مذهب الإمام الشافعي ـ وهو زواج تبادل الأخوات من دون مهر ـ وقد اشتهر قومه الذين يسكنون في قرية نائية بهذا الزواج، فذهب مُشمراً عن فتوى التحريم، ناعتاً زواجهم بالزنا، مما أثار البلبلة والقلق بين قومه وتسبب بريبتهم من هذا الزواج، علاوة على الخلاف العظيم الذي نشأ بين العائلتين. وحين استأنف دراسته للفصل الثاني اكتشف أن المذاهب الفقهية المتبقية تُبيح هذا الزواج أو تُبيحه مع الكراهة، وهنا أدرك أن الاختلاف بعمومه رحمة، وليس اختلاف الفقهاء فقط، وإننا كلما ازددنا علماً ازدننا تقارباً مهما كانت اختلافاتنا وفروقاتنا.
#بلا_حدود