الأربعاء - 04 أغسطس 2021
الأربعاء - 04 أغسطس 2021

(سوبرمات)

أسند السيد (تجاهل) رأسه بباطن يديه، لربما يخفّف من شدة ثقله على عاتقيه، فيهرب من نشرات «الأعذار» أقصد «الأخبار» اللا إنسانية اليومية، ولذلك بدأ يبحث بقلقٍ مقلق عن نفسه في انعكاسات مرآته، فوضع أطراف أصابعه المرتعشة على سطحها العاكس ليتلمس بحذرٍ تفاصيل وجهٍ كان يشبه وجهه ذات يوم! ظلّت عيناه مُعلَّقة ومُتعلِّقة بدمعةٍ مترقرقة على أمل أن يجد الفوارق العشر بين الصورتين، فيتفّهم ظروف شكله «قبل وبعد»، ولكنه كالعادة عندما باءَت محاولاته بالفشل، أخذ يتمتم بهذيانٍ منثور لربما يدفن ما تبقى من ملامحه الفانية بحججٍ واهية تزيل فكرة الملامة والتأنيب فيرتاح ضميره قليلاً بينما يشوّه الحقائق كثيراً فقال: «ما ذنبي أنا إن كان كل ما في الكون يظلمني! أرضي وسمائي، وباطن أحشائي، دائي ودوائي، وحتى ردائي يظلمني! فالليل يظلمني، والصبح يظلمني، والثلج والبرد والضجر، والشجر والورد والحجر، والحق والوعد والبشر، والشمس والقمر، من الشروق إلى الغروب، بين البقاء أو الهروب، فالفرار يظلمني والقرار يظلمني، من شرقي وجنوبي واتجاهات ذنوبي تظلمني! حتى قلمي وورقي، وضيقي وأرقي، وحزني وسخطي، واضطرابات خطي، وأمْني وخوفي، واحتراق جوفي. فكلما لكمت (الهم) أنزفني؛ وكلما ركلت اليأس يركلني، حتى المطر رغماً عني ينثر دمعاً في عيوني، والطير يطير حراً بدوني، وذلك الوجه في المرآة يثير جنوني! فهو كشكلي وليس بمثلي، فلا يخنقه الدمع مثلي، ولا يقهره القهر مثلي، ولا يظلمه الظلم مثلي، ونزيفه الأحمر دمي، وصرخاته تخرج من فمي، ورغم ذلك يعكسني، يجنني، يظلمني، فأجدني لا أعرفني، سوى أنني أيضاً أظلمني!». ما إن انتهت تلك المهاترات في ثورة الهلوسة، تفاجأ بطلنا الجاهل الغافل السيد (تجاهل) بصفعةٍ ساخنة من الأستاذ (ضمير) تلتها قطرات باردة من نهر الأمل، فأيقظته من كابوسه السخيف، ليدرك أن لا وجود للمنقذ (السوبرمان) إلا في خياله الواهم بقدوم وإحياء (السوبرمات)، فالسلام لن يتحقق بالأحلام ولا بإخراس الضمائر، بل بفرض الخير على الشر بكل خير.
#بلا_حدود