الخميس - 29 يوليو 2021
الخميس - 29 يوليو 2021

كيف نكتب؟

لم تكن مهمة أن يكون الإنسان كاتباً أصعب مما هي عليه الآن، رغم توافر وسائل الكتابة والنشر وسرعة وصول المادة إلى قراء كُثرٍ منتشرين حول العالم يتفاعلون معها بقدرة عالية وحيوية متجددة. لم تكن أصعب رغم توافر الموضوعات المحفّزة للقراءة والكتابة والنقد في مجالات مختلفة لم تعهدها العصور السابقة، لم تكن أصعب رغم أن مغريات التفكير كثيرة وهموم الحياة كثيرة، والمغريات المادية التي تجلبها الكتابة أكثر. إلا أن الكاتب في هذا الزمن، الذي أقل ما يمكن أن يوصف به أنه زمن الجنون، ومع كل ذلك مطالب بأن يكون شاهداً على الوحشية والعنف والدمار، ويحتفظ مع ذلك ببعض العقل ليفسر وينقل ويعلق على ما يجري حوله، وتلك مسألة صعبة .. مطالب في الآن ذاته أن يتجرد من مشاعره لحظة يرى الكوارث التي تتوالى وتتهافت من أقصى الأرض إلى أقصاها، من شمالها إلى جنوبها من شرقها إلى غربها، أن يرصدها ويفندها، أن يتابعها بعين الناقد المتفحص والمتبصر ويكون قادراً بعدها على متابعة حياته بشكل طبيعي. أن لا يمل من مناظر القتل والتهجير والإرهاب والدماء النازفة ولا يتعب من سماع قصص البؤساء واللاجئين والمظلومين ولا معاناتهم اليومية المتزايدة، أن يعتادها دون أن يتعود على المشاعر التي تولِّدها، ليكون قادراً على أن يكتب عنها في كل مرة بالإحساس الصادق نفسه، فلا يظلم حق ضحية، في أن ينقص من مشاعر التعاطف على حساب ضحية أخرى، فلا ذنب للضحايا الجدد أن ضحايا أسبق سرقوا منهم صدمة المشاهدة الأولى، وخطفوا اهتمام عدسات الصحفيين المترصدين للجديد، والباحثين عن شيء أكثر جدة وغرابة وطرافة. أن يكون في كل مرة حاضراً بكل إنسانيته ومشاعره وفكره وقلمه ليكتب ويسجل للتاريخ بحماسة واستمرارية. والأخطر من ذلك كله أن لا يفقد الأمل، ولا الثقة أن الخير مازال موجوداً، أن يكون قادراً على صناعة الأحلام المبهجة، والالتزام بها، ألّا يستسلم للحالات النفسية المؤدية للاكتئاب التي طالما خطفت مبدعين كُثراً حول العالم على مرّ العصور والأزمنة، أن لا تؤدي صدمته من العالم وكوارثه الطبيعية والبشرية إلى عزلة تودي بعقله قبل عمره، أن يظن الخير في الناس، ويصدق أن أحلامه بالعيش بسلام سوف تتحقق، أن يغيّب عقله، برضاه أحياناً، ليتوقع الأجمل ولا يقنط من رحمة قادمة من غائب علمه. أن يشهد كل ذلك ولا ينقل العدوى للقراء الذين ينتظرون كلمة أمل تضيء لهم درباً، أن يزيّن لهم الأحلام ويؤكد، وإن لم يكن متأكداً، أنها ستصبح حقيقة، رغم المؤشرات الحقيقية واليقينية أنها واهية. أن يتحلى بالصبر ولا ينعزل عن الناس ولا يكتئب، ولا ينقل لهم أمراضه النفسية وأحقاده الدفينة، ويتابع الكتابة عن الحب والسلام والأمل والمشاعر الراقية السامية، والأفكار القيّمة النّيرة، ويبث روح الإيمان بالغد القادم في كل من حوله. أن يصدّق، قبل أن يقنع من ينتظرون كلماته، أن الأحلام القديمة الطبيعية التي حلم بها ملايين البشر من قبل ما زالت ممكنة: ستكبرون في بيوتكم وأوطانكم، ستخططون لمستقبل الأبناء بلا منغصات، ستختارون معهم الجامعات والتخصصات والوظائف بعد التخرج، ستقيمون الاحتفالات بالنجاح والخطوبة والزواج وأول حفيد وغيرها، دون خوف أو طارئ يستجد ليخلط الأوراق ويقلب المعادلات على رؤوس الجميع بلا استثناء، تلك أحلام صغيرة، فلا تخشوا شيئاً .. ستعانون من أمراض الشيخوخة، سيشيب الرأس وتتساقط الأسنان، سيجتمع الأبناء والأحفاد كل أسبوع في داركم الكبير، تشربون الشاي وتأكلون الحلوى وتتذكرون الأيام الماضية بحب .. سيموت الأجداد أولاً ويتذكر الأحفاد مآثر آبائهم، ويتصدقون على أرواحهم، ويزرعون الورود على مقابرهم. أن تكون كاتباً في هذا الزمن الصعب وتحتفظ بعقلك في مكانه ليست مهمة سهلة، ربما تيسرها كلمة من صديق، أو زهرة منه دون مناسبة، ربما تُهونها بادرة صغيرة: يدٌ تحط على كتفك تقول لك أنا معك لا تقلق .. فالكتّاب أيضاً بشر يتأثرون بأحداث زمن الغرائب. ألم أقل لكم إن مهمة أن يكون الإنسان كاتباً لم تكن يوماً أصعب مما هي عليه الآن؟ [email protected]
#بلا_حدود