الجمعة - 30 يوليو 2021
الجمعة - 30 يوليو 2021

في الاقتصاص من التاريخ

الهجوم على متحف باردو في العاصمة التونسية قبل يومين، وقبله تحطيم موجودات متحف الموصل، وتجريف مدن عراقية أثرية، وقصف قلعة الحصن السورية بالمدفعية، وتدمير الجسر المعلق في دير الزور بالبراميل المتفجرة.. المجمع العلمي في ميدان التحرير في القاهرة. مخطوطات مالي. تمثالا بوذا في أفغانستان. القدس ومعالمها التاريخية. الأقصر في صعيد مصر في تسعينات القرن الماضي.. سلسلة طويلة من الجرائم يتحول فيها التاريخ إلى عدو ينبغي استئصال آثاره بكل الطرق الممكنة. الذاكرة التي يجب أن تمحى تماماً. الجذر الذي لا بد من اقتلاعه. البناء الباذخ الذي لا بد من تقويض أساساته ليتحول إلى ركام.. محاولة مستميتة من المجرم لتجريد خصمه من أي غطاء، والقذف به عارياً ووحيداً وأعزل في الفراغ، حيث تسهل السيطرة عليه، ويمكن استخدامه أداة لتمرير المشروع الظلامي الاستبدادي.. لا يتعلق الأمر بعقيدة أو فكر أو ثقافة، بل بشهوة إلى السلطة وتطلع إلى الاستئثار بمواقع النفوذ والقوة. وهو حلم لا يمكن أن يتحقق في مواجهة مع خصم يملك تاريخاً. فالتاريخ حجة في يد هذا الخصم تفضح دناءة غايات المجرم، وتكشف زيف ادعاءاته، كما أنها تشكل لهذا الخصم مرجعية قوية يستند إليها في مواقفه الرافضة المتحدية.. وواقع الحال أنه ما من نظام استبدادي قائم بالفعل، أو يخطط ليكون كذلك، يحترم التاريخ.. بل لعله يضع التاريخ في رأس قائمة الأهداف المطلوب تصفيتها.. وتتنوع الأدوات والأساليب المستخدمة للقيام بالتصفية.. الحرق، والهدم، والتزوير، والتهريب، والتشويه، والتلفيق.. ويصل الأمر كذلك إلى حدود ملاحقة من يهتم بالتاريخ، ويعمل على إخضاعه للدراسة الموضوعية المتجردة، ويطرح الأسئلة الجريئة حوله.. قبل أيام أتيح لي أن أشاهد عرضاً لفيلم وثائقي للمخرج السوري نبيل المالح عن فخري البارودي أحد رجالات سوريا الوطنيين البارزين في مرحلة تأسيس الدولة السورية الحديثة. وفي حوار جانبي بيني وبين المخرج قلت له: أليس غريباً أن يعرف المواطن السوري عن رامي مخلوف ابن خالة الرئيس الحالي أكثر بكثير مما يعرف عن فخري البارودي؟.. حكاية فخري البارودي الذي حكم عليه بالإعدام معنوياً من خلال تغييبه، وتعتيم الضوء عليه لا تختلف في دلالتها عن الهجوم على متحف باردو في تونس، أو إعمال المطرقة في الثور البابلي المجنح، أو تدمير الجسر المعلق.. كلها أحداث تستهدف الذاكرة، وتسعى إلى اقتلاع الإنسانية من جذورها لتكون على شاكلة هؤلاء المجرمين القادمين من المجهول، دون إرث مشرف ينتمون إليه.. هو مشروع يغذيه من جهة إحساس بالنقص أمام التاريخ باعتبار أن أصحابه في معظمهم بلا جذر، ورغبة مجنونة بالسيطرة على العالم من خلال محو ذاكرته من جهة أخرى، وحلم أحمق من جهة ثالثة بإمكانية إعادة صياغة العقل البشري بمسح مخزونه المعرفي والثقافي تماماً، وإعادة حشوه بالأوهام التي يؤمنون بها.
#بلا_حدود