الثلاثاء - 03 أغسطس 2021
الثلاثاء - 03 أغسطس 2021

استحسان (الكل) غير معقول

عن فقيه الأمة، سيدنا عبدالله بن مسعود، رضي الله عنه، قال «إن اللَّه سبحانه وتعالى نظر في قلوب العباد فاختار سيدنا محمداً صلى اللَّه عليه وسلم، فبعثه برسالته، ثم نظر في قلوب العباد فاختار له أصحاباً، فجعلهم أنصار دينه، ووزراء نبيه فما رآه المسلمون حسناً فهو عند اللَّه حسن، وما رآه المسلمون قبيحاً فهو عند اللَّه قبيح»، الحديث موقوف على سيدنا ابن مسعود، ولا يصح رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وقد أخرجه عنه الثقات، كالإمام أحمد في مسنده، وآخرون رحمهم الله جميعاً. علماء الحديث يقولون عن (اللام) في «المسلمون» إنها ليست للاستغراق كما يتوهم من لا يعرف، بل هي للعهد، إما الذهني، أو الذِّكري، أو الحضوري، فورودها ليس لأجل استيعاب جميع المسلمين، ومن يصر على ذلك سيخطئ حتما في توجيه تفسير معنى قول الله سبحانه وتعالى (إن الإنسان لفي خسر)، إذ ليس كل إنسان خسراناً، فليست اللام في قول سيدنا ابن مسعود إلا لحقيقة ذهنية، أراد بها قائلُها الصحابة الكرام رضوان الله تعالى عنهم أجمعين. كدليل (من نفس الجنس) على عدم تصور اجتماع الناس على رأي واحد؛ ضاع نص سيدنا ابن مسعود السالف الذكر بين من يستدل به على التحسين العقلي لما يتفق مع المصلحة، وبين من يعتمد عليه لعكس ذلك. سأذكر مثالًا واحداً فقط على ذلك: الإمام مالك رحمه الله تعالى قال «الاستحسان تسعة أعشار العلم» كتاب الاعتصام، للشاطبي 1ـ138، والإمام الشافعي، رحمه الله تعالى، له مقولة تحذيرية شهيرة، نصها «من استحسن فقد شرَّع» كتاب (الأم) 7ـ373. وإذا تعمقنا في النصين المشهورين، نجد أن التحسين الفردي الذي يراه واحد من الناس دون عامتهم أمر مرفوض، أما لو أجمع غالب الناس على استحسان شيء فإجماعهم حجة، كما أن الاستحسان المنضبط غير مرفوض، ويشهد على ذلك قول الشافعي الشهير، الإمام سيف الدين الآمدي، كتاب (الأحكام) 4ـ137 «إن الإمام الشافعي قد أخذ بالاستحسان، واعتبره مصدراً من مصادر التشريع الإسلامي»، رادّاً بهذا على من زعم أن الإمام الشافعي ضد الاستحسان، أو نفاه. الحقيقة أن بعضنا يحمِّل نص «ما رآه المسلمون..» أموراً تخدم مصلحته فقط؛ فيحصر النص في الفئة التي ينتصر لها، والواقع يؤكد أنه لا يمكن تخيل أن يتفق المسلمون على رأي واحد، بل إن الواقع يؤكد أن ما لم يرد فيه نص قطعي فوق أنه غير متصور، هو كذلك غير مطلوب. [email protected]
#بلا_حدود