الجمعة - 24 سبتمبر 2021
الجمعة - 24 سبتمبر 2021

التغافُل المريب

أن يعتاد الإنسان الكذب، فهذه مشكلة، وأن يُصدق بمرور الوقت أكاذيبه، فهذه مشكلة أكبر وأخطر، خصوصاً لو تحولت من سلوك فردي، إلى حالة مجتمعية سائدة. قبل أيام وصلتني رسالة من قارئة كريمة، تقول فيها «لماذا لا تتطرق لظاهرة «البويات» في مقالاتك، خصوصاً مع تفشي هذه الظاهرة في أوساط المراهقات؟». وكالعادة، فضلت الرد على سؤالها عبر مقال يقرؤه الجميع، وذلك حرصاً مني على توصيل الفكرة إلى أوسع شريحة ممكنة من القراء. عندما يشب في بيتك حريق، فالصراخ وحده لا يكفي لإطفائه، والتعامل السليم مع هذا الطارئ يتمثل في اتخاذ إجراءات عملية، منها على سبيل المثال محاولة إطفائه بالجهود الذاتية في البداية، ومن ثم المسارعة إلى الاتصال بالإطفاء إن تأزم الأمر. قبل أيام شاهدت عائلة خليجية تتسوق في أحد المولات، مكونة من خمسة أفراد، الأب والأم وبنتان، وفرد ثالث اعتقدت للوهلة الأولى أنه أختهم الثالثة، ولكن بعد التمعن في ملامحه اكتشفت أنه أخوهم. المشكلة هنا تتكون من شقين، الأول في الوضع الملتبس للفرد الثالث، والثاني في تغافل عائلته عن وضعه غير السوي، والتعامل معه على أنه شيء عادي، لا يستوجب التدخل والعلاج. الشق الأول من المشكلة لن أتطرق إليه، لأنه أُشبع بحثاً وتحليلاً، لكن الشق الثاني أعتقد أنه بحاجة إلى وقفة جادة، فيها الكثير من المصارحة والصدق، هل تغيرت المفاهيم؟ ما كان بالأمس عيباً تحاول العائلات مداراته عن الأعين، هل تحول بمرور الوقت إلى شيء عادي، يمكن القبول به، والتعايش معه؟ للأسف الشديد كل المشاهدات تقول إن الإجابة المتوقعة هي (نعم)، فما نسمعه من نقد شديد لهذه الظواهر في برامج البث المباشر، لا يُصدقه الواقع الذي نراه بأعيننا للأسف، ونتيجة لتغير المفاهيم، تغير كل شيء. الفنانات المنتميات لهذه الفئة هن الأعلى أجراً، مشاهير الإنستغرام المنتمون لهذه الفئة هم الأكثر جماهيرية، الناس تنتقدهم في الصباح، وتصفق لهم في الليل، المجتمع يغرق في بحرٍ عميق ومظلم من التناقضات، الآباء والأمهات يعلمون بكل شيء ولا يحركون ساكناً، وكل ما يفعلونه هو إلقاء الكرة في ملاعب غيرهم. عزيزي الأب، عزيزتي الأم: السيارة الفارهة لن تعيد لابنكم رجولته المفقودة، الحقيبة الماركة لن تعيد لابنتكم أنوثتها الغائبة، الاحتواء النفسي أهم بكثير من الاحتواء المادي، صارحوا أنفسكم بتقصيركم، اعترفوا بوجود المشاكل وشخصوها بدقة، أدركوا قبل فوات الأوان أن مشاكلكم الخاصة لن يحلها النقد العام، توقفوا قليلاً عن اللهث وراء الماديات، عودوا لبيوتكم، حاوروا أبناءكم وبناتكم، احتضنوهم، أنصتوا إليهم، صححوا مفاهيمهم الخاطئة، ربوهم كما ربوكم أمهاتكم وآباؤكم، بالقليل من المال والكثير من الحب. [email protected]
#بلا_حدود